كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 29)

وَاتَّفَقُوا كَذَلِكَ عَلَى أَنَّ طَوْل الْحُرَّةِ لاَ يَمْنَعُ الْعَبْدَ مِنْ نِكَاحِ الأَْمَةِ؛ لأَِنَّ نِكَاحَهُ لَيْسَ فِيهِ إِرْقَاقُ حُرٍّ، وَلأَِنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي الرِّقِّ. كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِفَاقِدِ الطَّوْل أَنْ يَنْكِحَ أَمَةَ غَيْرِهِ الْمُسْلِمَةَ بِشُرُوطٍ اخْتَلَفُوا فِيهَا، تَبَعًا لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي تَحْدِيدِ مَعْنَى الطَّوْل الْوَارِدِ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} (1) الآْيَةَ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الطَّوْل مَعْنَاهُ وُجُودُ حُرَّةٍ تَحْتَهُ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ فِي عِصْمَتِهِ حُرَّةٌ جَازَ لَهُ الزَّوَاجُ مِنْ أَمَةِ الْغَيْرِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَنْ لاَ تَكُونَ عِنْدَهُ حُرَّةٌ تَعْتَدُّ مِنْ طَلاَقِهِ الْبَائِنِ. وَذَهَبَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ وَفُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ - الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ - إِلَى أَنَّ الطَّوْل مَعْنَاهُ الْقُدْرَةُ عَلَى نِكَاحِ الْحُرَّةِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مُسْلِمَةً أَمْ كِتَابِيَّةً (2) .
وَعَلَيْهِ فَلاَ يَجُوزُ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ أَنْ يَنْكِحَ أَمَةَ غَيْرِهِ إِلاَّ بِشُرُوطٍ، يُنْظَرُ تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحِ: (رِقّ) ف 75.
__________
(1) سورة النساء / 25.
(2) البدائع 2 / 266، الجامع لأحكام القرآن 5 / 136، أحكام القرآن لابن العربي 1 / 503، المغني لابن قدامة 6 / 596، مغني المحتاج 3 / 183، الفواكه الدواني 2 / 45، روضة الطالبين 7 / 129، حاشية ابن عابدين 2 / 290، كشاف القناع 5 / 85.
4 - وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مِنَ الأَْفْضَل وَالْخَيْرِ لِلرَّجُل الْحُرِّ الَّذِي اجْتَمَعَتْ لَهُ شُرُوطُ الإِْبَاحَةِ أَنْ يَتْرُكَ نِكَاحَ الأَْمَةِ وَأَنْ يَصْبِرَ عَنْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ} (1) حَتَّى لاَ يُسَبِّبَ الرِّقَّ لِوَلَدِهِ حَيْثُ إِنَّ وَلَدَهُ مِنَ الأَْمَةِ يَكُونُ رَقِيقًا يَمْلِكُهُ سَيِّدُهَا، إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الزَّوْجُ عَلَى مَالِكِهَا حُرِّيَّتَهُ فَيَكُونُ وَلَدُهُ مِنْهَا حُرًّا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلاَّ شَرْطًا حَرَّمَ حَلاَلاً أَوْ أَحَل حَرَامًا (2) .
وَلِقَوْل عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ.
وَلِهَذَا اسْتَثْنَوْا مِنْ هَذَا صُورَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: إِذَا كَانَ الزَّوْجُ لاَ يُولَدُ لَهُ، كَالْخَصِيِّ مَثَلاً، لاِنْتِفَاءِ مَحْذُورِ رِقِّ الْوَلَدِ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ تَكُونَ الأَْمَةُ مِلْكًا لأَِصْلِهِ الْحُرِّ (3) .
__________
(1) سورة النساء / 25.
(2) حديث: " المسلمون على شروطهم. . . " أخرجه الترمذي (3 / 626) من حديث عمرو بن عوف المزني، وقال: (حديث حسن صحيح) .
(3) البدائع 2 / 268، الفواكه الدواني 2 / 45، كشاف القناع 5 / 78، مغني المحتاج 3 / 185، روضة الطالبين 7 / 131.

الصفحة 146