كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 29)
بِمَعْنَى الْقَهْرِ، أَوْ مِنَ الْكَرْهِ - بِالْفَتْحِ - بِمَعْنَى الْمَشَقَّةِ، وَأَكْرَهْتُهُ عَلَى الأَْمْرِ إِكْرَاهًا: حَمَلْتُهُ عَلَيْهِ قَهْرًا (1) .
وَعَرَّفَهُ الْفُقَهَاءُ: بِأَنَّهُ فِعْلٌ يَفْعَلُهُ الْمَرْءُ بِغَيْرِهِ فَيَنْتَفِي بِهِ رِضَاهُ أَوْ يَفْسُدُ بِهِ اخْتِيَارُهُ. انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (إِكْرَاه ف 98) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الظُّلْمِ وَالإِْكْرَاهِ: أَنَّ الإِْكْرَاهَ يَكُونُ صُورَةً مِنْ صُوَرِ الظُّلْمِ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ حَقٍّ (2) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
4 - الظُّلْمُ مُحَرَّمٌ، دَل عَلَى حُرْمَتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِْجْمَاعُ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} (3) .
وقَوْله تَعَالَى: {وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءٍ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ} (4) .
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمِنْهَا: حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رُوِيَ عَنِ اللَّهِ
__________
(1) المصباح المنير.
(2) الفروق لأبي هلال العسكري ص 192.
(3) سورة النساء / 168، 169.
(4) سورة هود / 113.
تَعَالَى أَنَّهُ قَال: يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا. . (1) الْحَدِيثَ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلِمَةٌ لأَِخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْل أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، وَإِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أَخَذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحَمَل عَلَيْهِ (2)
. وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ الظُّلْمِ، قَال ابْنُ الْجَوْزِيِّ: الظُّلْمُ يَشْتَمِل عَلَى مَعْصِيَتَيْنِ: أَخْذُ مَال الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَمُبَارَزَةُ الرَّبِّ بِالْمُخَالَفَةِ، وَالْمَعْصِيَةُ فِيهِ أَشَدُّ مِنْ غَيْرِهَا، لأَِنَّهُ لاَ يَقَعُ غَالِبًا إِلاَّ بِالضَّعِيفِ الَّذِي لاَ يَقْدِرُ عَلَى الاِنْتِصَارِ، وَإِنَّمَا يَنْشَأُ الظُّلْمُ عَنْ ظُلْمَةِ الْقَلْبِ؛ لأَِنَّهُ لَوِ اسْتَنَارَ بِنُورِ الْهُدَى لاَعْتَبَرَ، فَإِذَا سَعَى الْمُتَّقُونَ بِنُورِهِمُ الَّذِي حَصَل لَهُمْ بِسَبَبِ التَّقْوَى اكْتَنَفَتْ ظُلُمَاتُ الظُّلْمِ الظَّالِمَ، حَيْثُ لاَ يُغْنِي عَنْهُ ظُلْمُهُ شَيْئًا (3) .
__________
(1) حديث: " قال الله: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي. . . " أخرجه مسلم (4 / 1994) من حديث أبي ذر.
(2) حديث: " من كانت له مظلمة لأخيه. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 5 / 101) من حديث أبي هريرة.
(3) فتح الباري 5 / 100.
الصفحة 170