كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 29)

لَوْ كَانَ الرَّجُل قَدْ حَلَفَ بِاَللَّهِ تَعَالَى: أَلاَّ يُظَاهِرَ مِنْ زَوْجَتِهِ، وَقَال لَهَا هَذِهِ الْعِبَارَةَ السَّابِقَةَ حُكِمَ بِحِنْثِهِ فِي الْيَمِينِ، وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بِمُجَرَّدِ صُدُورِ الصِّيغَةِ الْمُضَافَةِ، وَلَكِنْ لاَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مُعَاشَرَةُ زَوْجَتِهِ إِلاَّ عِنْدَ حُلُول الزَّمَنِ الَّذِي أَضَافَ الظِّهَارَ إِلَيْهِ، وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (1) .
وَوَجْهُهُ: أَنَّ الظِّهَارَ مِثْل الطَّلاَقِ فِي تَحْرِيمِ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا، وَالطَّلاَقُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُضَافًا وَمُعَلَّقًا، فَكَذَلِكَ الظِّهَارُ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الظِّهَارَ إِذَا كَانَ مُضَافًا إِلَى زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ، أَوْ كَانَ مُعَلَّقًا عَلَى حُصُول أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَل، وَكَانَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ مُحَقَّقَ الْحُصُول أَوْ غَالِبُ الْحُصُول فِي الْمُسْتَقْبَل، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُنَجَّزًا وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمُهُ فِي الْحَال، فَإِذَا قَال الرَّجُل لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي بَعْدَ سَنَةٍ، أَوْ قَال لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إِنْ جَاءَ شَهْرُ رَمَضَانَ أَوْ هَبَّتِ الرِّيحُ، كَانَ مُظَاهِرًا فِي الْحَال، وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ بِمُجَرَّدِ صُدُورِ الصِّيغَةِ، لأَِنَّ الظِّهَارَ كَالطَّلاَقِ كِلاَهُمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَحْرِيمُ الزَّوْجَةِ، وَالطَّلاَقُ الْمُضَافُ أَوِ الْمُعَلَّقُ عَلَى أَمْرٍ مُحَقَّقِ الْوُقُوعِ فِي الْمُسْتَقْبَل، أَوْ غَالِبِ الْوُقُوعِ فِيهِ،
__________
(1) البدائع 3 / 232، المغني لابن قدامة 7 / 350، ومغني المحتاج 3 / 354، وروضة الطالبين 8 / 265.
يَكُونُ مُنَجَّزًا، فَكَذَلِكَ الظِّهَارُ (1) .

الشَّرْطُ الْخَامِسُ:
16 - أَنْ يَكُونَ الْمُظَاهِرُ قَاصِدًا الظِّهَارَ. وَيَتَحَقَّقُ هَذَا الشَّرْطُ بِإِرَادَةِ الزَّوْجِ النُّطْقَ بِالْعِبَارَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الظِّهَارِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا، فَإِذَا كَانَ مَعَ هَذِهِ الإِْرَادَةِ رَغْبَةٌ فِي الظِّهَارِ كَانَ الظِّهَارُ صَادِرًا عَنْ رِضًا صَحِيحٍ، وَإِنْ وُجِدَتِ الإِْرَادَةُ وَحْدَهَا، وَانْتَفَتِ الرَّغْبَةُ فِي الظِّهَارِ لَمْ يَتَحَقَّقِ الرِّضَا، وَذَلِكَ كَأَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ مُكْرَهًا عَلَى الظِّهَارِ بِتَهْدِيدِهِ بِالْقَتْل أَوِ الضَّرْبِ الشَّدِيدِ أَوِ الْحَبْسِ الْمَدِيدِ، فَيَصْدُرُ الظِّهَارُ عَنْهُ خَوْفًا مِنْ وُقُوعِ مَا هُدِّدَ بِهِ لَوِ امْتَنَعَ، فَإِنَّ صُدُورَ الصِّيغَةِ مِنَ الزَّوْجِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ عَنْ قَصْدٍ لَكِنَّهُ لَيْسَ عَنْ رِضًا صَحِيحٍ.
وَالظِّهَارُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ - حَالَةِ الإِْكْرَاهِ - يَكُونُ مُعْتَبَرًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ آثَارُهُ، لأَِنَّ الظِّهَارَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَصِحُّ مَعَ الإِْكْرَاهِ كَالطَّلاَقِ (2) ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقِيَاسِ الْمُكْرَهِ عَلَى الْهَازِل، لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَصْدُرُ عَنْهُ صِيغَةُ التَّصَرُّفِ عَنْ قَصْدٍ
__________
(1) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 2 / 440 وشرح الخرشي مع حاشية العدوي 3 / 243.
(2) البدائع 3 / 231.

الصفحة 198