كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 29)
الْمُحْتَالِينَ الَّذِينَ يَقْصِدُونَ النُّطْقَ بِالصِّيغَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الظِّهَارِ، ثُمَّ يَدَّعُونَ أَنَّهُ كَانَ سَبْقَ لِسَانٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ (1) .
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ - كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا نَصُّوا عَلَيْهِ فِي الطَّلاَقِ - إِذَا ثَبَتَ أَنَّ الزَّوْجَ لَمْ يَقْصِدِ النُّطْقَ بِصِيغَةِ الظِّهَارِ، بَل قَصَدَ التَّكَلُّمَ بِشَيْءٍ آخَرَ، فَزَل لِسَانُهُ وَتَكَلَّمَ بِالصِّيغَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الظِّهَارِ لاَ يَكُونُ ظِهَارًا فِي الْقَضَاءِ، كَمَا لاَ يَكُونُ ظِهَارًا فِي الدِّيَانَةِ وَالْفَتْوَى (2) .
وَيَتَّضِحُ مِمَّا تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ الإِْكْرَاهِ وَالْهَزْل وَالْخَطَأِ، وَهُوَ أَنَّهُ فِي الإِْكْرَاهِ تَكُونُ الْعِبَارَةُ صَادِرَةً عَنْ قَصْدٍ وَاخْتِيَارٍ، وَلَكِنَّهُ اخْتِيَارٌ غَيْرُ سَلِيمٍ لِوُجُودِ الإِْكْرَاهِ، وَهُوَ يُؤَثِّرُ فِي الإِْرَادَةِ وَيَجْعَلُهَا لاَ تَخْتَارُ مَا تَرْغَبُ فِيهِ وَتَرْتَاحُ إِلَيْهِ، بَل تَخْتَارُ مَا يَدْفَعُ الأَْذَى وَالضَّرَرَ.
وَفِي الْهَزْل تَكُونُ الْعِبَارَةُ مَقْصُودَةً، لأَِنَّهَا تَصْدُرُ بِرِضَا الزَّوْجِ وَاخْتِيَارِهِ، وَلَكِنَّ حُكْمَهَا لاَ يَكُونُ مَقْصُودًا؛ لأَِنَّ الزَّوْجَ لاَ يُرِيدُ هَذَا الْحُكْمَ، بَل يُرِيدُ شَيْئًا آخَرَ هُوَ اللَّهْوُ وَاللَّعِبُ.
وَفِي الْخَطَأِ لاَ تَكُونُ الْعِبَارَةُ الَّتِي نَطَقَ بِهَا
__________
(1) الفتاوى الهندية 1 / 330، / 457، والدر وحاشية ابن عابدين 2 / 656 - 657.
(2) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 2 / 366، وشرح الخرشي 3 / 172، 173، ومغني المحتاج 3 / 287.
الزَّوْجُ مَقْصُودَةً أَصْلاً، بَل الْمَقْصُودُ عِبَارَةٌ أُخْرَى وَصَدَرَتْ هَذِهِ بَدَلاً عَنْهَا.
الشَّرْطُ السَّادِسُ
19 - قِيَامُ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَهُمَا حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا. قِيَامُ الزَّوَاجِ حَقِيقَةً يَتَحَقَّقُ بِعَقْدِ الزَّوَاجِ الصَّحِيحِ بَيْنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ وَعَدَمِ حُصُول الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى الدُّخُول، فَإِذَا تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةً زَوَاجًا صَحِيحًا، ثُمَّ ظَاهَرَ مِنْهَا كَانَ الظِّهَارُ صَحِيحًا، دَخَل بِهَا قَبْل الظِّهَارِ أَوْ لَمْ يَدْخُل، وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الدُّخُول: قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} (1) فَإِنَّهُ يَدُل دَلاَلَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ فِي الظِّهَارِ: أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ الْمُظَاهَرُ مِنْهَا مِنْ نِسَاءِ الرَّجُل، وَالْمَرْأَةُ تُعْتَبَرُ مِنْ نِسَاءِ الرَّجُل بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ، دَخَل بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُل.
وَقِيَامُ الزَّوَاجِ حُكْمًا يَتَحَقَّقُ بِوُجُودِ الْعِدَّةِ مِنَ الطَّلاَقِ الرَّجْعِيِّ، فَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُل زَوْجَتَهُ طَلاَقًا رَجْعِيًّا كَانَ الزَّوَاجُ بَعْدَهُ قَائِمًا طِوَال مُدَّةِ الْعِدَّةِ؛ لأَِنَّ الطَّلاَقَ الرَّجْعِيَّ لاَ يُزِيل رَابِطَةَ الزَّوْجِيَّةِ إِلاَّ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَالْمُطَلَّقَةُ
__________
(1) سورة المجادلة / 3.
الصفحة 200