كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 29)
بِاعْتِبَارِ ظِهَارِهِ، وَهُمْ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ (1) .
وَوَجْهُهُ: أَنَّهُ لَمَّا تَنَاوَل الْمُحَرَّمَ بِاخْتِيَارِهِ كَانَ مُتَسَبِّبًا فِي زَوَال عَقْلِهِ، فَيُجْعَل عَقْلُهُ مَوْجُودًا حُكْمًا عُقُوبَةً لَهُ وَزَجْرًا عَنِ ارْتِكَابِ الْمَعْصِيَةِ.
وَمَنْ قَال مِنَ الْفُقَهَاءِ بِعَدَمِ اعْتِبَارِ طَلاَقِ السَّكْرَانِ قَال لاَ يُعْتَبَرُ ظِهَارُهُ، وَهُمْ زُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، (2) وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ صِحَّةَ التَّصَرُّفِ تَعْتَمِدُ عَلَى الْقَصْدِ وَالإِْرَادَةِ الصَّحِيحَةِ، وَالسَّكْرَانُ قَدْ غَلَبَ السُّكْرُ عَلَى عَقْلِهِ فَلاَ يَكُونُ عِنْدَهُ قَصْدٌ وَلاَ إِرَادَةٌ صَحِيحَةٌ، فَلاَ يُعْتَدُّ بِالْعِبَارَةِ الصَّادِرَةِ مِنْهُ، كَمَا لاَ يُعْتَدُّ بِالْعِبَارَةِ الصَّادِرَةِ مِنَ الْمَجْنُونِ وَالنَّائِمِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ.
ج - الإِْسْلاَمُ: فَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ غَيْرَ مُسْلِمٍ لاَ يَصِحُّ ظِهَارُهُ سَوَاءٌ كَانَ كِتَابِيًّا أَمْ غَيْرَ كِتَابِيٍّ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَرِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ (3) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ:
__________
(1) الهداية مع فتح القدير 3 / 40، والبدائع 3 / 230، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 2 / 439، ومغني المحتاج 3 / 353، والمغني لابن قدامة 7 / 114، 238.
(2) الهداية مع فتح القدير 3 / 40، والبدائع 3 / 99، والمغني لابن قدامة 7 / 114، 115. (3) البدائع 3 / 230، والشرح الكبير 2 / 439.
(3) البدائع 3 / 230، والشرح الكبير 2 / 439.
إِسْلاَمُ الزَّوْجِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الظِّهَارِ، فَيَصِحُّ الظِّهَارُ مِنَ الْمُسْلِمِ وَغَيْرِ الْمُسْلِمِ (1) .
وَحُجَّةُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ} فَإِنَّ الْخِطَابَ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَدُل عَلَى أَنَّ الظِّهَارَ مَخْصُوصٌ بِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْكَافِرِينَ.
وَالأَْزْوَاجُ الْمَذْكُورُونَ فِي الآْيَةِ التَّالِيَةِ لِهَذِهِ الآْيَةِ وَهِيَ: {وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} (2) لاَ يُرَادُ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ وَغَيْرُ الْمُسْلِمِينَ بَل الْمُرَادُ بِهِمُ الأَْزْوَاجُ الْمَذْكُورُونَ فِي الآْيَةِ السَّابِقَةِ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الآْيَةَ إِنَّمَا جَاءَتْ لِبَيَانِ حُكْمِ الظِّهَارِ الْمَذْكُورِ فِي الآْيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَهُوَ الظِّهَارُ الَّذِي يَكُونُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لاَ مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الظِّهَارَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ تَحْرِيمًا يَنْتَهِي بِالْكَفَّارَةِ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ أَهْلاً لِلْكَفَّارَةِ، لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ، وَالْكَافِرُ لاَ تَصِحُّ الْعِبَادَةُ مِنْهُ (3) .
وَحُجَّةُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} (4) فَإِنَّهُ عَامٌّ، فَيَشْمَل الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرَ الْمُسْلِمِينَ،
__________
(1) مغني المحتاج 3 / 352، والمغني لابن قدامة 7 / 338، 339، والإنصاف 9 / 198.
(2) سورة المجادلة / 3.
(3) البدائع 3 / 230.
(4) سورة المجادلة / 3.
الصفحة 203