كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 29)
وَتَوْجِيهُ الْخِطَابِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الآْيَةِ السَّابِقَةِ لاَ يَدُل عَلَى أَنَّ الظِّهَارَ مَخْصُوصٌ بِهِمْ؛ لأَِنَّ الْمُسْلِمِينَ هُمُ الأَْصْل فِي التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ، وَغَيْرُهُمْ تَابِعٌ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَلاَ يَثْبُتُ التَّخْصِيصُ إِلاَّ بِدَلِيلٍ يَدُل عَلَيْهِ، وَلاَ يُوجَدُ هَذَا الدَّلِيل هُنَا.
وَالْكَافِرُ يَصِحُّ مِنْهُ بَعْضُ أَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ وَهُوَ الْعِتْقُ وَالإِْطْعَامُ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَصِحُّ مِنْهُ الصِّيَامُ، وَامْتِنَاعُ صِحَّةِ بَعْضِ الأَْنْوَاعِ مِنَ الْكَافِرِ لاَ يَجْعَلُهُ غَيْرَ أَهْلٍ لِلظِّهَارِ، قِيَاسًا عَلَى الرَّقِيقِ، فَإِنَّهُ أَهْلٌ لِلظِّهَارِ مَعَ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ مِنْهُ الإِْعْتَاقُ (1) .
أَثَرُ الظِّهَارِ:
إِذَا تَحَقَّقَ الظِّهَارُ وَتَوَافَرَتْ شُرُوطُهُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الآْثَارُ الآْتِيَةُ: -
22 - أ - حُرْمَةُ الْمُعَاشَرَةِ الزَّوْجِيَّةِ قَبْل التَّكْفِيرِ عَنِ الظِّهَارِ، وَهَذِهِ الْحُرْمَةُ تَشْمَل حُرْمَةَ الْوَطْءِ وَدَوَاعِيهِ مِنْ تَقْبِيلٍ أَوْ لَمْسٍ أَوْ مُبَاشَرَةٍ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ.
أَمَّا حُرْمَةُ الْوَطْءِ قَبْل التَّكْفِيرِ فَلاَ خِلاَفَ فِيهَا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَذَلِكَ لاِتِّفَاقِهِمْ، عَلَى إِرَادَةِ الْوَطْءِ فِي قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ
__________
(1) المغني لابن قدامة 7 / 387، 239 وكشاف القناع 5 / 372، وروضة الطالبين 8 / 261.
مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا} (1) وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ ثُمَّ وَاقَعَهَا قَبْل أَنْ يُكَفِّرَ، فَسَأَل النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَلاَ تَعُدْ حَتَّى تُكَفِّرَ (2)
أَمَرَهُ بِالاِسْتِغْفَارِ مِنَ الْوِقَاعِ، وَهُوَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الذَّنْبِ، فَدَل هَذَا عَلَى حُرْمَةِ الْوَطْءِ قَبْل التَّكْفِيرِ، كَمَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَاهُ عَنِ الْعَوْدِ إِلَى الْوِقَاعِ حَتَّى يُكَفِّرَ، وَمُطْلَقُ النَّهْيِ يَدُل عَلَى تَحْرِيمِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَيَكُونُ دَلِيلاً عَلَى حُرْمَةِ الْوِقَاعِ قَبْل التَّكْفِيرِ، وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَيْهَا تَمْكِينُهُ مِنْ نَفْسِهَا قَبْل ذَلِكَ (3) .
وَأَمَّا حُرْمَةُ دَوَاعِي الْوَطْءِ فَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَأَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، (4) وَذَلِكَ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا} فَإِنَّهُ أَمَرَ الْمُظَاهِرَ بِالْكَفَّارَةِ قَبْل " التَّمَاسِّ " وَالتَّمَاسُّ
__________
(1) سورة المجادلة / 3.
(2) حديث: " أن رجلا ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر. . ". أخرجه أبو داود (2 / 666) والترمذي (3 / 494) من حديث ابن عباس، وقال الترمذي: حديث حسن غريب صحيح، وذكر الزيلعي في نصب الراية (3 / 246 - 247) طرق الحديث، ثم قال: ولم أجد ذكر الاستغفار في شيء من طرق الحديث.
(3) البدائع 3 / 234، والمغني لابن قدامة 7 / 347، والشرح الكبير 2 / 445، ومغني المحتاج 3 / 357، وحاشية ابن عابدين 2 / 591.
(4) البدائع 2 / 234، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 2 / 445، والمغني لابن قدامة 7 / 348.
الصفحة 204