كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 29)
يَصْدُقُ عَلَى الْمَسِّ بِالْيَدِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَجْزَاءِ الْجِسْمِ، كَمَا يَصْدُقُ عَلَى الْوَطْءِ، وَالْوَطْءُ قَبْل التَّكْفِيرِ حَرَامٌ بِالاِتِّفَاقِ، فَالْمَسُّ بِالْيَدِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ يَكُونُ حَرَامًا مِثْلَهُ، وَلأَِنَّ الْمَسَّ وَالتَّقْبِيل بِشَهْوَةٍ وَالْمُبَاشَرَةَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ تَدْعُو إِلَى الْوَطْءِ، وَمَتَى كَانَ الْوَطْءُ حَرَامًا كَانَتِ الدَّوَاعِي إِلَيْهِ حَرَامًا أَيْضًا، بِنَاءً عَلَى الْقَاعِدَةِ الْفِقْهِيَّةِ: " مَا أَدَّى إِلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ ".
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ (1) إِلَى إِبَاحَةِ الدَّوَاعِي فِي الْوَطْءِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْمَسِّ فِي قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا} الْجِمَاعُ: وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْل أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} (2) فَلاَ يَحْرُمُ مَا عَدَاهُ مِنَ التَّقْبِيل وَالْمَسِّ بِشَهْوَةٍ وَالْمُبَاشَرَةُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، وَلأَِنَّ تَحْرِيمَ الْوَطْءِ بِالظِّهَارِ يُشْبِهُ تَحْرِيمَ الْوَطْءِ بِالْحَيْضِ، مِنْ نَاحِيَةِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وَطْءٌ مُحَرَّمٌ وَلاَ يُخِل بِالنِّكَاحِ، وَتَحْرِيمُ الْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ لاَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الدَّوَاعِي إِلَيْهِ، فَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ الْوَطْءِ بِالظِّهَارِ لاَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الدَّوَاعِي إِلَيْهِ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ (3) .
وَلَوْ وَطِئَ الْمُظَاهِرُ الْمَرْأَةَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا قَبْل التَّكْفِيرِ أَوِ اسْتَمْتَعَ بِهَا بِغَيْرِ الْوَطْءِ عَصَى
__________
(1) مغني المحتاج 3 / 357، والمغني لابن قدامة 7 / 348.
(2) سورة البقرة / 237.
(3) مغني المحتاج 3 / 357.
رَبَّهُ، لِمُخَالَفَةِ أَمْرِهِ الْوَارِدِ فِي قَوْله تَعَالَى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا} وَلاَ يَلْزَمُهُ إِلاَّ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَتَبْقَى زَوْجَتُهُ حَرَامًا عَلَيْهِ كَمَا كَانَتْ حَتَّى يُكَفِّرَ، وَهَذَا قَوْل جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (1) ، وَوَجْهُهُ مَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي قَدْ ظَاهَرْتُ مِنْ زَوْجَتِي فَوَقَعْتُ عَلَيْهَا قَبْل أَنْ أُكَفِّرَ، فَقَال: وَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ قَال: رَأَيْتُ خَلْخَالَهَا فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ، قَال: فَلاَ تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَل مَا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ (2) .
فَالْحَدِيثُ وَاضِحُ الدَّلاَلَةِ عَلَى أَنَّ الْمُظَاهِرَ إِذَا وَطِئَ قَبْل أَنْ يُكَفِّرَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ وَلاَ تَسْقُطُ عَنْهُ بِالْوَطْءِ قَبْل التَّكْفِيرِ، وَأَنَّ زَوْجَتَهُ تَبْقَى حَرَامًا كَمَا كَانَتْ حَتَّى يُكَفِّرَ.
23 - ب - إِنَّ لِلْمَرْأَةِ الْحَقَّ فِي مُطَالَبَةِ الزَّوْجِ بِالْوَطْءِ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَمْنَعَ الزَّوْجَ مِنَ الْوَطْءِ حَتَّى يُكَفِّرَ، فَإِنِ امْتَنَعَ عَنِ التَّكْفِيرِ كَانَ لَهَا أَنْ تَرْفَعَ الأَْمْرَ إِلَى الْقَاضِي، وَعَلَى الْقَاضِي أَنْ
__________
(1) الفتاوى الهندية 1 / 456، والهداية مع فتح القدير 3 / 227، وحاشية الدسوقي 2 / 447، والمغني لابن قدامة 7 / 383.
(2) منتقى الأخبار مع نيل الأوطار 6 / 276، 277. وحديث ابن عباس: (أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم قد ظاهر من امرأته. .) . أخرجه الترمذي (3 / 494) وقال: حديث حسن غريب صحيح.
الصفحة 205