كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 29)
يَأْمُرَهُ بِالتَّكْفِيرِ، فَإِنِ امْتَنَعَ أَجْبَرَهُ بِمَا يَمْلِكُ مِنْ وَسَائِل التَّأْدِيبِ حَتَّى يُكَفِّرَ أَوْ يُطَلِّقَ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَوَجْهُهُ: أَنَّ الزَّوْجَ قَدْ أَضَرَّ بِزَوْجَتِهِ بِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ بِالظِّهَارِ، حَيْثُ مَنَعَهَا حَقَّهَا فِي الْوَطْءِ مَعَ قِيَامِ الزَّوَاجِ بَيْنَهُمَا، فَكَانَ لِلزَّوْجَةِ الْمُطَالَبَةُ بِإِيفَاءِ حَقِّهَا وَدَفْعُ الضَّرَرِ عَنْهَا، وَالزَّوْجُ فِي وُسْعِهِ إِيفَاءُ حَقِّ الزَّوْجَةِ بِإِزَالَةِ الْحُرْمَةِ بِالْكَفَّارَةِ، فَيَكُونُ مُلْزَمًا بِذَلِكَ شَرْعًا، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنَ الْقِيَامِ بِذَلِكَ أَجْبَرَهُ الْقَاضِي عَلَى التَّكْفِيرِ أَوِ الطَّلاَقِ (1) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا عَجَزَ الْمُظَاهِرُ عَنِ الْكَفَّارَةِ كَانَ لِزَوْجَتِهِ أَنْ تَطْلُبَ مِنَ الْقَاضِي الطَّلاَقَ، لِتَضَرُّرِهَا مِنْ تَرْكِ الْوَطْءِ، وَعَلَى الْقَاضِي أَنْ يَأْمُرَ الزَّوْجَ بِالطَّلاَقِ، فَإِنِ امْتَنَعَ طَلَّقَ الْقَاضِي عَلَيْهِ فِي الْحَال، وَكَانَ الطَّلاَقُ رَجْعِيًّا، فَإِنْ قَدَرَ الزَّوْجُ عَلَى الْكَفَّارَةِ قَبْل انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ كَفَّرَ وَرَاجَعَهَا.
وَإِذَا كَانَ الْمُظَاهِرُ قَادِرًا عَلَى الْكَفَّارَةِ وَامْتَنَعَ عَنِ التَّكْفِيرِ، فَلِلزَّوْجَةِ طَلَبُ الطَّلاَقِ، فَإِنْ طَلَبَتِ الطَّلاَقَ مِنَ الْقَاضِي لاَ يُطَلِّقُهَا إِلاَّ إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ كَمَا فِي الإِْيلاَءِ، فَإِنْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ الأَْشْهُرِ أَمَرَ الْقَاضِي الزَّوْجَ
__________
(1) البدائع 3 / 234 وفتح القدير 3 / 225، والفتاوى الهندية 1 / 456، والدر المختار مع حاشية ابن عابدين 2 / 891.
بِالطَّلاَقِ أَوِ التَّكْفِيرِ، فَإِنِ امْتَنَعَ طَلَّقَ الْقَاضِي عَلَيْهِ، وَكَانَ الطَّلاَقُ رَجْعِيًّا.
وَتَأْجِيل الطَّلاَقِ إِلَى مُضِيِّ أَرْبَعَةِ الأَْشْهُرِ لاَ خِلاَفَ فِيهِ، وَلَكِنَّ الْخِلاَفَ فِي ابْتِدَاءِ هَذِهِ الأَْرْبَعَةِ، فَفِي قَوْلٍ تَبْدَأُ مِنْ يَوْمِ الظِّهَارِ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ أَبُو سَعِيدٍ الْبَرَاذِعِيُّ فِي اخْتِصَارِهِ لِلأَْقْوَال بِالْمُدَوَّنَةِ، وَفِي قَوْلٍ تَبْدَأُ مِنْ يَوْمِ الْحُكْمِ وَهُوَ لِمَالِكٍ أَيْضًا وَالأَْرْجَحُ عِنْدَ ابْنِ يُونُسَ، وَفِي قَوْلٍ ثَالِثٍ: تَبْدَأُ مِنْ وَقْتِ تَبَيُّنِ الضَّرَرِ، وَهُوَ يَوْمُ الاِمْتِنَاعِ مِنَ التَّكْفِيرِ وَعَلَيْهِ تُؤُوِّلَتِ الْمُدَوَّنَةُ (1) .
24 - ج - وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمُظَاهِرِ قَبْل وَطْءِ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا وَدَوَاعِي الْوَطْءِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْمُظَاهِرِينَ بِالْكَفَّارَةِ إِذَا عَزَمُوا عَلَى مُعَاشَرَةِ زَوْجَاتِهِمُ اللاَّتِي ظَاهَرُوا مِنْهُنَّ فِي قَوْلِهِ جَل شَأْنُهُ: {وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا} (2) وَالأَْمْرُ يَدُل عَلَى وُجُوبِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَلأَِنَّ الظِّهَارَ مَعْصِيَةٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُنْكَرِ وَالزُّورِ، فَأَوْجَبَ اللَّهُ الْكَفَّارَةَ عَلَى الْمُظَاهِرِ حَتَّى يُغَطِّيَ ثَوَابُهَا وِزْرَ هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ.
__________
(1) شرح الخرشي مع حاشية العدوي 3 / 235، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 2 / 433.
(2) سورة المجادلة / 3.
الصفحة 206