كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 29)

قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ أَذَانَ الْبَصِيرِ أَفْضَل مِنْ أَذَانِ الأَْعْمَى، فَيُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ أَذَانُ الأَْعْمَى، إِلاَّ إِذَا كَانَ مَعَهُ بَصِيرٌ يُعْلِمُهُ أَوْقَاتَ الصَّلاَةِ فَلاَ كَرَاهَةَ (1) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ أَذَانُ الأَْعْمَى إِنْ كَانَ تَابِعًا لِغَيْرِهِ فِي أَذَانِهِ أَوْ قَلَّدَ ثِقَةً فِي دُخُول الْوَقْتِ (2) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ أَعْمَى، لأَِنَّهُ رُبَّمَا غَلِطَ فِي الْوَقْتِ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ بَصِيرٌ لَمْ يُكْرَهْ لأَِنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهُوَ أَعْمَى كَانَ يُؤَذِّنُ مَعَ بِلاَلٍ (3) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ بَصِيرًا، لأَِنَّ الأَْعْمَى لاَ يَعْرِفُ الْوَقْتَ فَرُبَّمَا غَلِطَ، فَإِنْ أَذَّنَ الأَْعْمَى صَحَّ أَذَانُهُ، قَال فِي الْمُبْدِعِ: كَرِهَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَذَانَ الأَْعْمَى، وَكَرِهَ ابْنُ عَبَّاسِ إِقَامَتَهُ (4) .
__________
(1) رد المحتار 1 / 260، وشروح الهداية والكفاية مع فتح القدير 1 / 220، بدائع الصنائع 1 / 150.
(2) الدسوقي 1 / 197 - 198.
(3) المجموع 3 / 103. وحديث: " أذان ابن مكتوم مع بلال ". أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 99) ومسلم (1 / 287) من حديث ابن عمر.
(4) المغني لابن قدامة 1 / 414، والمبدع 1 / 315.
ثَانِيًا: اسْتِقْبَال الأَْعْمَى لِلْقِبْلَةِ:
17 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الأَْعْمَى عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَل عَنِ الْقِبْلَةِ؛ لأَِنَّ مُعْظَمَ الأَْدِلَّةِ تَتَعَلَّقُ بِالْمُشَاهَدَةِ، قَال الْحَنَفِيَّةُ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْأَلُهُ عَنْهَا تَحَرَّى، وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (اسْتِقْبَال ف 36) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَجُوزُ لِلأَْعْمَى الْمُجْتَهِدِ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ بَل يَسْأَل عَنِ الأَْدِلَّةِ لِيَهْتَدِيَ بِهَا إِلَى الْقِبْلَةِ.
أَمَّا غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ، وَهُوَ الْجَاهِل بِالأَْدِلَّةِ أَوْ يَكْفِيهِ الاِسْتِدْلاَل بِهَا، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَلِّدَ مُكَلَّفًا عَدْلاً عَارِفًا بِطَرِيقِ الاِجْتِهَادِ أَوْ مِحْرَابًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُرْشِدُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ فَإِنَّهُ يَتَخَيَّرُ جِهَةً مِنَ الْجِهَاتِ الأَْرْبَعِ وَيُصَلِّي إِلَيْهَا مَرَّةً وَاحِدَةً (1) .
18 - أَمَّا مَنْ بِهِ عَاهَةٌ أُخْرَى كَالْمَشْلُول وَمَنْ لاَ يَسْتَطِيعُ مُفَارَقَةَ سَرِيرِهِ لِعَاهَةٍ فِي عَيْنَيْهِ، أَوْ لِجُرْحٍ فِي جَسَدِهِ لَوْ حَرَّكَ لَنَزَفَ، فَإِنَّ هَؤُلاَءِ وَنَحْوَهُمْ إِذَا وَجَدُوا مَنْ يُوَجِّهُهُمْ إِلَى الْقِبْلَةِ دُونَ ضَرَرٍ يَلْحَقُ بِهِمْ وَجَبَ عَلَيْهِمُ التَّوَجُّهُ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَلَوْ صَلَّوْا إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بَطَلَتْ صَلاَتُهُمْ وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
__________
(1) الشرح الكبير بهامش الدسوقي 1 / 226 - 227.

الصفحة 244