كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 29)
وَأَيْضًا فَإِنَّ تَكْلِيفَ الصَّحِيحَةِ عَنِ الْمِرَاضِ إِخْلاَلٌ بِالْمُوَاسَاةِ، وَمَبْنَى الزَّكَاةِ عَلَيْهَا (1) ، وَهَذَا هُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ (2) .
وَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ غُلاَمُ الْخَلاَّل إِلَى أَنَّهُ لاَ تُجْزِئُ إِلاَّ صَحِيحَةٌ، لأَِنَّ أَحْمَدَ قَال: لاَ يُؤْخَذُ إِلاَّ مَا يَجُوزُ فِي الأَْضَاحِيِّ، وَلِلنَّهْيِ عَنْ أَخْذِ ذَاتِ الْعَاهَةِ فِي حَدِيثِ: وَلاَ يُخْرِجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةً، وَلاَ ذَاتَ عَوَارٍ (3) .
وَعَلَى هَذَا، فَيَشْتَرِي شَاةً صَحِيحَةً يُخْرِجُهَا عَنْ غَنَمِهِ الْمِرَاضِ وَالْمَعُوهَاتِ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا مَالِكٌ، قَدْ نَقَلَتِ الْمُدَوَّنَةُ قَوْلَهُ: يُحْسَبُ عَلَى رَبِّ الْغَنَمِ كُل ذَاتِ عَوَارٍ، وَلاَ يَأْخُذُ مِنْهَا، وَالْعَمْيَاءُ مِنْ ذَوَاتِ الْعَوَارِ، وَلاَ تُؤْخَذُ فِيهَا، وَلاَ مِنْ ذَوَاتِ الْعَوَارِ، وَسُئِل مَالِكٌ: إِنْ كَانَتِ الْغَنَمُ كُلُّهَا قَدْ جَرِبَتْ؟ فَقَال: عَلَى رَبِّ الْمَال أَنْ يَأْتِيَهُ بِشَاةٍ فِيهَا وَفَاءٌ مِنْ حَقِّهِ، وَسُئِل: وَكَذَلِكَ ذَوَاتُ الْعَوَارِ إِذَا كَانَتِ الْغَنَمُ ذَوَاتَ عَوَارٍ كُلُّهَا؟ قَال: نَعَمْ.
وَاسْتَثْنَى مَالِكٌ مَا اسْتَثْنَاهُ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
__________
(1) المغني 2 / 600.
(2) المرجع السابق، والأم 2 / 5، وفتح القدير 2 / 182.
(3) سبل السلام 2 / 124، والمبدع 2 / 319. وحديث: " ولا يخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ". أخرجه البخاري (فتح الباري 3 / 321) من حديث أبي بكر.
حَدِيثِهِ السَّابِقِ فَقَال: لاَ يَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ مِنْ ذَوَاتِ الْعَوَارِ إِلاَّ إِذَا رَأَى فِي ذَلِكَ خَيْرًا وَأَفْضَل (1) .
هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَتْ حَيَوَانَاتُ النِّصَابِ كُلُّهَا مَرِيضَةً مَعُوهَةً، أَمَّا إِذَا كَانَتْ صَحِيحَةً فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِخْرَاجُ الْمَعِيبَةِ عَنِ الصَّحِيحَةِ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ.
وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا مَعِيبًا، وَبَعْضُهَا صَحِيحًا، فَلاَ يَقْبَل عَنْهَا فِي الزَّكَاةِ إِلاَّ الصَّحِيحَ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ قُدَامَةَ عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ نِصْفُ مَالِهِ صَحِيحًا، وَنِصْفُهُ الآْخَرُ مَعِيبًا، كَانَ لَهُ إِخْرَاجُ صَحِيحَةٍ وَمَعِيبَةٍ، قَال: وَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ خِلاَفُهُ (2) .
ثَالِثًا: أَثَرُ عَاهَةِ الزَّرْعِ فِي الزَّكَاةِ:
31 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَثَرِ عَاهَةِ الزَّرْعِ فِي الزَّكَاةِ، وَاخْتِلاَفُهُمْ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِي وَقْتِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ.
فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَجِبُ الزَّكَاةُ بِنَفْسِ الْخُرُوجِ، كَمَا قَال تَعَالَى: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَْرْضِ} (3) وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالإِْدْرَاكِ (4) .
__________
(1) المدونة 1 / 312.
(2) المغني 2 / 600.
(3) سورة البقرة / 267
(4) المبسوط للسرخسي 2 / 206.
الصفحة 252