كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 29)

إِلَى ذَلِكَ أَوْ لِلصَّدَقَةِ أَوْ إِطْعَامِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَكْرُوهًا.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهُوَ قَوْل عُلَمَاءِ الأَْمْصَارِ سِوَى ابْنِ سِيرِينَ، وَعِنْدَ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ هُوَ نَسْخٌ لِلْوُجُوبِ، لَكِنَّهُمْ جَمِيعًا مُتَّفِقُونَ عَلَى الإِْبَاحَةِ (1) .
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى الإِْبَاحَةِ بِمَا رَوَى الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو التَّمِيمِيُّ أَنَّهُ لَقِيَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَال رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ: يَا رَسُول اللَّهِ، الْعَتَائِرُ وَالْفَرَائِعُ؟ قَال: مَنْ شَاءَ عَتَرَ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَعْتِرْ، وَمَنْ شَاءَ فَرَّعَ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يُفَرِّعْ (2) وَمَا رُوِيَ عَنْ لَقِيطِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ سَأَل النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: إِنَّا كُنَّا نَذْبَحُ فِي رَجَبٍ ذَبَائِحَ فَنَأْكُل مِنْهَا وَنُطْعِمُ مِنْهَا مَنْ جَاءَنَا؟ فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ بَأْسَ بِذَلِكَ، فَقَال وَكِيعٌ: لاَ أَتْرُكُهَا أَبَدًا (3) .
وَمِنَ الْقَائِلِينَ بِالنَّسْخِ الْحَنَفِيَّةُ، لَكِنَّهُمْ لَمْ
__________
(1) المغني 8 / 650، الحطاب 3 / 248.
(2) حديث الحارث بن عمرو أنه لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع. أخرجه النسائي (7 / 167 - 169) وفي إسناده ضعف، ولكن له شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أخرجه أبو داود (3 / 263) والحاكم (4 / 236) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(3) حديث لقيط بن عامر: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنا كنا نذبح في رجب ذبائح. أخرجه أحمد (4 / 12 - 13) ، وفي إسناده جهالة راويه وكيع بن عدي.
يُبَيِّنُوا حُكْمَ الْعَتِيرَةِ، هَل هُوَ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ مُبَاحٌ؟ .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى عَدَمِ نَسْخِ طَلَبِ الْعَتِيرَةِ، وَقَالُوا تُسْتَحَبُّ الْعَتِيرَةُ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ سِيرِينَ.
قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ نُبَيْشَةَ قَال: نَادَى رَجُلٌ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّا كُنَّا نَعْتِرُ عَتِيرَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي رَجَبٍ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَال: اذْبَحُوا لِلَّهِ فِي أَيِّ شَهْرٍ كَانَ. . . إِلَخْ الْحَدِيثِ.
قَال ابْنُ حَجَرٍ فَلَمْ يُبْطِل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَتِيرَةَ مِنْ أَصْلِهَا، وَإِنَّمَا أَبْطَل خُصُوصَ الذَّبْحِ فِي شَهْرِ رَجَبٍ.
قَال النَّوَوِيُّ: الصَّحِيحُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَاقْتَضَتْهُ الأَْحَادِيثُ: أَنَّهُمَا لاَ يُكْرَهَانِ، بَل يُسْتَحَبَّانِ، (أَيِ الْفَرَعُ وَالْعَتِيرَةُ (1)) .
__________
(1) المجموع 8 / 443 - 444 - 445 - 446، وفتح الباري 9 / 597.

الصفحة 279