كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 29)
فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ كَقَاعِدَةِ: الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ (1) .
وَذَكَرَ الأُْصُولِيُّونَ بَعْضَ أَسْبَابِ الْعَجْزِ أَثْنَاءَ الْكَلاَمِ عَلَى الْحُكْمِ، وَحُكْمُ التَّكْلِيفِ بِمَا لاَ يُطَاقُ، وَذَكَرُوا أَنَّ الْقُدْرَةَ شَرْطُ التَّكْلِيفِ، أَوْ هِيَ شَرْطُ وُجُوبِ الأَْدَاءِ، أَخْذًا مِنْ قَوْله تَعَالَى: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} (2) وَيَقْسِمُونَ الْقُدْرَةَ إِلَى قُدْرَةٍ مُمَكِّنَةٍ وَقُدْرَةٍ مُيَسِّرَةٍ (3) .
وَمَعَ ذَلِكَ فَمِنَ الْعَسِيرِ اسْتِقْصَاءُ أَسْبَابِ الْعَجْزِ؛ لأَِنَّ كُل تَصَرُّفٍ لَهُ وَسَائِلُهُ الْخَاصَّةُ الَّتِي تُحَقِّقُهُ، وَاَلَّتِي يُعْتَبَرُ فِقْدَانُهَا سَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ الْعَجْزِ عَنْ تَحْصِيلِهِ وَيُرْجَعُ لِكُل تَصَرُّفٍ فِي بَابِهِ.
أَنْوَاعُ الْعَجْزِ:
6 - الْعَجْزُ نَوْعَانِ: حَقِيقِيٌّ وَحُكْمِيٌّ.
جَاءَ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: مَنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فِي الصَّلاَةِ لِمَرَضٍ حَقِيقِيٍّ، وَحَدُّهُ: أَنْ يَلْحَقَهُ بِالْقِيَامِ ضَرَرٌ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَرَضُ قَبْل الصَّلاَةِ أَوْ فِيهَا، أَوْ حُكْمِيٌّ: بِأَنْ خَافَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ أَوْ بُطْءَ بُرْءٍ بِقِيَامِهِ.
__________
(1) المنثور 1 / 253 و 2 / 165 والفروق للقرافي 1 / 118، وتهذيب الفروق 1 / 179.
(2) سورة البقرة / 286.
(3) فواتح الرحموت 1 / 135، 137 - 140، والتلويح 1 / 197 - 198.
وَقَدْ عَلَّقَ ابْنُ عَابِدِينَ عَلَى قَوْل الدُّرِّ (لِمَرَضٍ حَقِيقِيٍّ) بِقَوْلِهِ: الْحَقِيقِيُّ وَالْحُكْمِيُّ وَصْفَانِ لِلتَّعَذُّرِ، وَلَيْسَ لِلْمَرَضِ (1) .
وَفِي الْهِدَايَةِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ جَاءَ: خَائِفُ السَّبُعِ وَالْعَدُوِّ وَالْعَطَشِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ دَابَّتِهِ عَاجِزٌ حُكْمًا، فَيُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ (2) .
وَفِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ مَعَ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيِّ، قَال الدَّرْدِيرُ: يَتَيَمَّمُ ذُو مَرَضٍ، وَلَوْ حُكْمًا، كَصَحِيحٍ خَافَ بِاسْتِعْمَال الْمَاءِ حُدُوثَهُ، قَال الدُّسُوقِيُّ (قَوْلُهُ: أَوْ حُكْمًا) وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي خَافَ بِاسْتِعْمَال الْمَاءِ حُدُوثَ مَرَضٍ، فَهُوَ بِسَبَبِ خَوْفِهِ الْمَذْكُورِ فِي حُكْمِ غَيْرِ الْقَادِرِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ (3) ، وَمِثْل ذَلِكَ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيَّةُ (4) .
وَقَال الْبَزْدَوِيُّ: جَوَازُ التَّكْلِيفِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقُدْرَةِ الَّتِي يُوجَدُ بِهَا الْفِعْل الْمَأْمُورُ بِهِ، حَتَّى أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ لاَ تَجِبُ عَلَى الْعَاجِزِ عَنِ اسْتِعْمَال الْمَاءِ حَقِيقَةً لِعَجْزِهِ عَنِ اسْتِعْمَالِهِ بِبَدَنِهِ، أَوْ حُكْمًا بِأَنْ كَانَ يَحِل
__________
(1) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه 1 / 508، وينظر البحر الرائق 2 / 121.
(2) الهداية 1 / 26.
(3) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه 1 / 147 - 148.
(4) حاشية الجمل على شرح المنهج 1 / 340.
الصفحة 286