كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 29)

التَّهْلُكَةِ} (1) أَيْ بِتَرْكِ الإِْنْفَاقِ فِي سَبِيل اللَّهِ، وَالْخِطَابُ أَيْضًا لِكَافَّتِهِمْ، وَعَدَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: تَرْكَ الإِْنْفَاقِ فِي سَبِيل اللَّهِ وَعَدَمَ الاِسْتِعْدَادِ لِلْحَرْبِ بِاِتِّخَاذِ الْعُدَّةِ اللاَّزِمَةِ لِلنَّصْرِ تَهْلُكَةً لِلنَّفْسِ، وَتَهْلُكَةً لِلْجَمَاعَةِ، فَالدَّعْوَةُ إِلَى الْجِهَادِ فِي التَّوْجِيهَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالنَّبَوِيَّةِ تُلاَزِمُهَا فِي الأَْغْلَبِ الأَْعَمِّ دَعْوَةٌ إِلَى الإِْنْفَاقِ.
جَاءَ فِي تَفْسِيرِ الْمَاوَرْدِيِّ: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} بِأَنْ تَتْرُكُوا النَّفَقَةَ فِي سَبِيل اللَّهِ فَتَهْلَكُوا، ثُمَّ قَال: هَذَا قَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيل: لاَ تُقْحِمُوا أَنْفُسَكُمْ فِي الْحَرْبِ بِغَيْرِ نِكَايَةٍ فِي الْعَدُوِّ، وَقَال ابْنُ كَثِيرٍ: التَّهْلُكَةُ أَنْ تُمْسِكَ يَدَكَ عَنِ النَّفَقَةِ فِي سَبِيل اللَّهِ. (2)
وَالْعُدَّةُ بِمَا فِي الطَّوْقِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ تَرَكُوهَا أَثِمُوا جَمِيعًا، وَهِيَ مِنَ الأُْمُورِ الْمَنُوطَةِ بِالإِْمَامِ وَتَلْزَمُ عَلَيْهِ، قَال الْمَاوَرْدِيُّ: مِنَ الأُْمُورِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الإِْمَامِ: تَحْصِينُ الثُّغُورِ بِالْعُدَّةِ الْمَانِعَةِ، وَالْقُوَّةِ الدَّافِعَةِ حَتَّى لاَ يَظْفَرَ الأَْعْدَاءُ بِغِرَّةٍ يَنْتَهِكُونَ فِيهَا مُحَرَّمًا، أَوْ يَسْفِكُونَ فِيهَا لِمُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ دَمًا، وَعَدَّ الْقُرْآنُ تَرْكَ الْعُدَّةِ لِلْحَرْبِ إِعْلاَءً لِكَلِمَةِ اللَّهِ مِنْ عَلاَمَاتِ النِّفَاقِ، فَقَال تَعَالَى: فِي
__________
(1) سورة البقرة / 195.
(2) الخازن، ابن كثير، تفسير الماوردي.
شَأْنِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ اسْتَأْذَنُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَِعْذَارٍ وَاهِيَةٍ فِي عَدَمِ الْخُرُوجِ مَعَهُ فِي الْجِهَادِ: {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأََعَدُّوا لَهُ عُدَّةً} .
(1) وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (سِلاَح) .

مَا تَكُونُ بِهِ الْعُدَّةُ:
3 - بَيَّنَ الْقُرْآنُ الْعُدَّةَ: بِأَنَّهَا الْقُوَّةُ، وَرِبَاطُ الْخَيْل، قَال تَعَالَى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْل} .
وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ مِنَ الْقُوَّةِ: وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ:
أ - الْقُوَّةُ: ذُكُورُ الْخَيْل، وَرِبَاطُ الْخَيْل إِنَاثُهَا.
ب - الْقُوَّةُ: السِّلاَحُ، قَالَهُ الْكَلْبِيُّ.
ج - التَّصَافِي، وَاتِّفَاقُ الْكَلِمَةِ.
د - الثِّقَةُ بِاَللَّهِ.
هـ - الرَّمْيُ.
__________
(1) الأحكام السلطانية للماوردي ص 16. والآيات من سورة التوبة من 44 - 46.

الصفحة 302