كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 29)
وَقَال صَاحِبُ تَفْسِيرِ الْخَازِنِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَقْوَالاً فِي مَعْنَى الْقُوَّةِ: الْقَوْل الرَّابِعُ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْقُوَّةِ جَمِيعُ مَا يُتَقَوَّى بِهِ فِي الْحَرْبِ عَلَى الْعَدُوِّ، فَكُل مَا هُوَ آلَةٌ يُسْتَعَانُ بِهَا فِي الْجِهَادِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْقُوَّةِ الْمَأْمُورِ بِإِعْدَادِهَا، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ (1) لاَ يَنْفِي كَوْنَ غَيْرِ الرَّمْيِ مِنَ الْقُوَّةِ الْمَأْمُورِ بِإِعْدَادِهَا فَهُوَ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْحَجُّ عَرَفَةُ (2) وَكَقَوْلِهِ: النَّدَمُ تَوْبَةٌ (3) فَهَذَا لاَ يَنْفِي اعْتِبَارَ غَيْرِهِ، بَل يَدُل عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ هُوَ مِنْ أَجَل الْمَقْصُودِ، وَلأَِنَّ الرَّمْيَ كَانَ مِنْ أَنْجَعِ وَسَائِل الْحَرْبِ نِكَايَةً فِي الْعَدُوِّ فِي زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَكَذَا هُنَا يُحْمَل مَعْنَى الآْيَةِ عَلَى الاِسْتِعْدَادِ لِلْقِتَال فِي الْجِهَادِ بِجَمِيعِ مَا يُمْكِنُ مِنَ الآْلاَتِ، كَالرَّمْيِ بِالنَّبْل، وَالنِّشَابِ، وَالسَّيْفِ، وَتَعَلُّمِ الْفُرُوسِيَّةِ، وَالتَّصَافِي، وَاتِّفَاقِ الْكَلِمَةِ، وَالثِّقَةِ بِاَللَّهِ وَكُل ذَلِكَ مَأْمُورٌ بِهِ، وَقَال الشِّهَابُ: إِنَّمَا ذُكِرَ هَذَا هُنَا، لأَِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتِعْدَادٌ تَامٌّ فِي
__________
(1) حديث: " ألا إن القوة الرمي " أخرجه مسلم (3 / 1522) من حديث عقبة بن عامر.
(2) حديث: " الحج عرفة ". أخرجه أبو داود (2 / 486) الحاكم (1 / 464) من حديث عبد الرحمن بن يعمر، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(3) حديث: " الندم توبة ". أخرجه ابن ماجه (2 / 1420) والحاكم (4 / 243) من حديث ابن مسعود، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
بَدْرٍ، فَنُبِّهُوا عَلَى أَنَّ النَّصْرَ بِدُونِ اسْتِعْدَادٍ لاَ يَتَأَتَّى فِي كُل زَمَانٍ، وَدَلَّتِ الآْيَةُ عَلَى وُجُودِ الْقُوَّةِ الْحَرْبِيَّةِ اتِّقَاءَ بَأْسِ الْعَدُوِّ. (1)
وَخَصَّ رِبَاطَ الْخَيْل بِالذِّكْرِ - مَعَ أَنَّ الأَْمْرَ بِإِعْدَادِ الْقُوَّةِ فِي الآْيَةِ يَتَنَاوَل جَمِيعَ مَا يُتَقَوَّى بِهِ لِلْحَرْبِ عَلَى اخْتِلاَفِ صُنُوفِهَا وَأَلْوَانِهَا وَأَسْبَابِهَا - لأَِنَّهَا الأَْدَاةُ الَّتِي كَانَتْ بَارِزَةً عِنْدَ مَنْ كَانَ يُخَاطِبُهُمُ الْقُرْآنُ أَوَّل مَرَّةٍ، وَلَوْ أَمَرَهُمْ بِأَسْبَابٍ غَيْرِ مَعْرُوفَةٍ لَدَيْهِمْ، وَلاَ يُطِيقُونَ إِعْدَادَهَا لَكَانَ تَكْلِيفًا بِمَا لاَ يُطَاقُ. (2)
__________
(1) تفسير الخازن، الفتوحات الإلهية، روح المعاني، تفسير البغوي: في تفسير آية 60 من سورة الأنفال، وآية 46 من سورة التوبة وآية 195 من سورة البقرة.
(2) المصادر السابقة.
الصفحة 303