كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 29)

عِدَّةُ الْمُسْتَحَاضَةِ:
34 - الاِسْتِحَاضَةُ فِي الشَّرْعِ هِيَ: سَيَلاَنُ الدَّمِ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِهِ الْمُعْتَادَةِ مِنْ مَرَضٍ وَفَسَادٍ مِنْ عِرْقٍ فِي أَدْنَى الرَّحِمِ يُسَمَّى الْعَاذِل (1) .
فَإِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ الْمُطَلَّقَةُ الْمُعْتَدَّةُ مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ، وَاسْتَمَرَّ نُزُول الدَّمِ عَلَيْهَا بِدُونِ انْقِطَاعٍ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، وَالْحَال لاَ يَخْلُو مِنْ أَمْرَيْنِ:
35 - الأَْمْرُ الأَْوَّل: إِنِ اسْتَطَاعَتْ أَنْ تُمَيِّزَ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالاِسْتِحَاضَةِ بِرَائِحَةٍ أَوْ لَوْنٍ أَوْ كَثْرَةٍ أَوْ قِلَّةٍ أَوْ عَادَةٍ - وَيُطْلَقُ عَلَيْهَا غَيْرَ الْمُتَحَيِّرَةِ - فَتَعْتَدُّ بِالأَْقْرَاءِ (2) لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ} وَلأَِنَّهَا تُرَدُّ إِلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا الْمَعْرُوفَةِ لَهَا (3) وَلأَِنَّ الدَّمَ الْمُمَيَّزَ بَعْدَ طُهْرٍ تَامٍّ يُعَدُّ حَيْضًا، فَتَعْتَدُّ بِالأَْقْرَاءِ لاَ بِالأَْشْهُرِ (4) .
__________
(1) رسائل ابن عابدين 1 / 74، القوانين الفقهية ص 56، الفواكه الدواني 2 / 92، مغني المحتاج 1 / 108، كشاف القناع 1 / 196.
(2) البدائع 3 / 193، فتح القدير 4 / 312، 335، الدسوقي 2 / 470، الفواكه الدواني 2 / 92، جواهر الإكليل 1 / 385، مغني المحتاج 3 / 385، 386، روضة الطالبين 8 / 369، المغني لابن قدامة مع الشرح الكبير 9 / 101.
(3) فتح القدير 4 / 335، روضة الطالبين 8 / 369.
(4) الفواكه الدواني 2 / 92.
36 - الأَْمْرُ الثَّانِي الْمُسْتَحَاضَةُ الْمُتَحَيِّرَةُ الَّتِي لَمْ تَسْتَطِعِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ وَنَسِيَتْ قَدْرَ عَادَتِهَا، أَوْ تَرَى يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا نَقَاءً، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ مُبْتَدَأَةً أَمْ غَيْرَهَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي عِدَّتِهَا عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

الْقَوْل الأَْوَّل: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ وَأَبُو عُبَيْدٍ إِلَى أَنَّ عِدَّةَ الْمُسْتَحَاضَةِ هُنَا ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْغَالِبَ نُزُول الْحَيْضِ مَرَّةً فِي كُل شَهْرٍ، أَوْ لاِشْتِمَال كُل شَهْرٍ عَلَى طُهْرٍ وَحَيْضٍ غَالِبًا، وَلِعِظَمِ مَشَقَّةِ الاِنْتِظَارِ إِلَى سِنِّ الْيَأْسِ، وَلأَِنَّهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُرْتَابَةٌ، فَدَخَلَتْ فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ} (1) وَلأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال لِحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ تَلَجَّمِي وَتَحَيَّضِي فِي كُل شَهْرٍ فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ (2) فَجَعَل لَهَا حَيْضَةً فِي كُل شَهْرٍ تَتْرُكُ فِيهَا الصَّلاَةَ وَالصِّيَامَ، وَيَثْبُتُ فِيهَا سَائِرُ أَحْكَامِ الْحَيْضِ، فَيَجِبُ أَنْ تَنْقَضِيَ بِهِ الْعِدَّةُ، لأَِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الْحَيْضِ.

الْقَوْل الثَّانِي: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي
__________
(1) سورة الطلاق / 4.
(2) حديث حمنة بنت جحش. أخرجه الترمذي (1 / 223) وابن ماجه (1 / 205) واللفظ لابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح.

الصفحة 328