كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 29)

وَالثَّوْرِيُّ إِلَى أَنَّ الزَّانِيَةَ لاَ عِدَّةَ عَلَيْهَا، حَامِلاً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ حَامِلٍ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ (1) وَلأَِنَّ الْعِدَّةَ شُرِعَتْ لِحِفْظِ النَّسَبِ، وَالزِّنَا لاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ ثُبُوتُ النَّسَبِ، وَلاَ يُوجِبُ الْعِدَّةَ.
وَإِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُل امْرَأَةً وَهِيَ حَامِلٌ مِنَ الزِّنَا جَازَ نِكَاحُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَلَكِنْ لاَ يَجُوزُ وَطْؤُهَا حَتَّى تَضَعَ، لِئَلاَّ يَصِيرَ سَاقِيًا مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ، لِقَوْل الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَحِل لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ (2) وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ (3) فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى امْتِنَاعِ وَطْئِهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا.
خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِجَوَازِ النِّكَاحِ وَالْوَطْءِ لِلْحَامِل مِنْ زِنًا عَلَى الأَْصَحِّ،
__________
(1) حديث: " الولد للفراش وللعاهر الحجر ". أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 292) ومسلم (2 / 1080) من حديث عائشة.
(2) حديث: " لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقى ماءه. . . ". أخرجه أبو داود 2 / 615، والترمذي 3 / 437 من حديث رويفع بن ثابت واللفظ لأبي داود وقال الترمذي: حديث حسن.
(3) حديث: " لا توطأ حامل حتى تضع ". أخرجه أبو داود (2 / 614) من حديث أبي سعيد الخدري وحسن إسناده ابن حجر في التلخيص (1 / 171 - 172) .
إِذْ لاَ حُرْمَةَ لَهُ.

الْقَوْل الثَّانِي: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لَدَى الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ: أَنَّ الْمَزْنِيَّ بِهَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْمُطَلَّقَةِ، لأَِنَّهُ وَطْءٌ يَقْتَضِي شُغْل الرَّحِمِ، فَوَجَبَتِ الْعِدَّةُ مِنْهُ، وَلأَِنَّهَا حُرَّةٌ فَوَجَبَ اسْتِبْرَاؤُهَا بِعِدَّةٍ كَامِلَةٍ قِيَاسًا عَلَى الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ، وَلأَِنَّ الْمَزْنِيَّ بِهَا إِذَا تَزَوَّجَتْ قَبْل الاِعْتِدَادِ اشْتَبَهَ وَلَدُ الزَّوْجِ بِالْوَلَدِ مِنَ الزِّنَا، فَلاَ يَحْصُل حِفْظُ النَّسَبِ، قَال الدُّسُوقِيُّ: إِذَا زَنَتِ الْمَرْأَةُ أَوْ غُصِبَتْ وَجَبَ عَلَيْهَا الاِسْتِبْرَاءُ مِنْ وَطْئِهَا بِثَلاَثِ حِيَضٍ إِنْ كَانَتْ حُرَّةً.
أَمَّا الْحَامِل مِنْ زِنًا أَوْ مِنْ غَصْبٍ فَيَحْرُمُ عَلَى زَوْجِهَا وَطْؤُهَا قَبْل الْوَضْعِ اتِّفَاقًا، وَإِذَا كَانَتِ الزَّانِيَةُ غَيْرَ مُتَزَوِّجَةٍ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا زَمَنَ الاِسْتِبْرَاءِ، فَإِنْ عَقَدَ عَلَيْهَا وَجَبَ فَسْخُهُ.

الْقَوْل الثَّالِثُ: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى إِلَى أَنَّ الزَّانِيَةَ تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ: لاَ تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلاَ غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً. (1)
وَلِمَزِيدٍ مِنَ التَّفْصِيل يُرَاجَعُ مُصْطَلَحُ: (اسْتِبْرَاء ف 24) .
__________
(1) حديث: " لا توطأ حامل حتى تضع. . . " تقدم تخريجه آنفًا وانظر أقوال الفقهاء في بدائع الصنائع للكاساني 3 / 192، 193، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2 / 471، جواهر الإكليل 1 / 386، مغني المحتاج 3 / 384، 388، روضة الطالبين 8 / 375 سبل السلام 3 / 207، شرح منح الجليل 2 / 375، المغني لابن قدامة مع الشرح الكبير 9 / 79 - 80.

الصفحة 338