كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 29)

الْحَنَابِلَةَ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا قَيَّدُوا عَدَمَ وُجُوبِ الْوَطْءِ بِعَدَمِ قَصْدِ الإِْضْرَارِ بِالزَّوْجَةِ، فَإِذَا قَصَدَ بِذَلِكَ الإِْضْرَارَ بِهَا عُوقِبَ وَعُزِّرَ، لاِخْتِلاَل شَرْطِ سُقُوطِ الْوُجُوبِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلِهِمُ الثَّانِي وَهُوَ الأَْظْهَرُ إِلَى أَنَّ اسْتِدَامَةَ الْوَطْءِ وَاجِبٌ لِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا قَضَاءً، مَا لَمْ يَكُنْ بِالزَّوْجِ عُذْرٌ مَانِعٌ مِنْ ذَلِكَ كَمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا فَإِذَا غَابَ الزَّوْجُ عَنْ زَوْجَتِهِ مُدَّةً بِغَيْرِ عُذْرٍ، كَانَ لَهَا طَلَبُ التَّفْرِيقِ مِنْهُ، فَإِذَا كَانَ تَرْكُهُ بِعُذْرٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ. (1)
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ، فَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ اسْتِدَامَةَ الْوَطْءِ حَقٌّ لِلزَّوْجَةِ مُطْلَقًا، وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الرَّجُل إِذَا غَابَ عَنْ زَوْجَتِهِ مُدَّةً، كَانَ لَهَا طَلَبُ التَّفْرِيقِ مِنْهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ سَفَرُهُ هَذَا لِعُذْرٍ أَمْ لِغَيْرِ عُذْرٍ، لأَِنَّ حَقَّهَا فِي الْوَطْءِ وَاجِبٌ مُطْلَقًا عِنْدَهُمْ.

شُرُوطُ التَّفْرِيقِ لِلْغَيْبَةِ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِهَا:
88 - يُشْتَرَطُ فِي الْغَيْبَةِ لِيَثْبُتَ التَّفْرِيقُ بِهَا لِلزَّوْجَةِ شُرُوطٌ، وَهِيَ:
أ - أَنْ تَكُونَ غَيْبَةً طَوِيلَةً، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مُدَّتِهَا:
__________
(1) المغني 7 / 234، والدر المختار 3 / 202 - 203، والدسوقي والشرح الكبير 2 / 339، القليوبي وعميرة 4 / 51.
فَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا غَابَ عَنْ زَوْجَتِهِ مُدَّةَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ كَانَ لَهَا طَلَبُ التَّفْرِيقِ عَلَيْهِ إِذَا تَحَقَّقَتِ الشُّرُوطُ الأُْخْرَى، وَذَلِكَ اسْتِدْلاَلاً بِمَا رَوَى أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بَيْنَمَا كَانَ يَحْرُسُ الْمَدِينَةَ مَرَّ بِامْرَأَةٍ فِي بَيْتِهَا وَهِيَ تَقُول:

تَطَاوَل هَذَا اللَّيْل وَاسْوَدَّ جَانِبُهُ

وَطَال عَلَيَّ أَنْ لاَ حَبِيبَ أُلاَعِبُهْ

وَوَاللَّهِ لَوْلاَ خَشْيَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ

لَحُرِّكَ مِنْ هَذَا السَّرِيرِ جَوَانِبُهْ

فَسَأَل عُمَرُ عَنْهَا فَقِيل لَهُ: هَذِهِ فُلاَنَةُ زَوْجُهَا غَائِبٌ فِي سَبِيل اللَّهِ تَعَالَى، فَأَرْسَل إِلَى امْرَأَةٍ تَكُونُ مَعَهَا، وَبَعَثَ إِلَى زَوْجِهَا فَأَقْفَلَهُ، ثُمَّ دَخَل عَلَى حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فَقَال: يَا بُنَيَّةُ كَمْ تَصْبِرُ الْمَرْأَةُ عَنْ زَوْجِهَا؟ فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ أَمِثْلُكَ يَسْأَل مِثْلِي عَنْ هَذَا؟ فَقَال: لَوْلاَ أَنِّي أُرِيدُ النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ مَا سَأَلْتُكِ، قَالَتْ: خَمْسَةُ أَشْهُرٍ، سِتَّةُ أَشْهُرٍ، فَوَقَّتَ لِلنَّاسِ فِي مَغَازِيهِمْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، يَسِيرُونَ شَهْرًا، وَيُقِيمُونَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَيَسِيرُونَ شَهْرًا رَاجِعِينَ. (1)
__________
(1) المغني 7 / 235.

الصفحة 63