كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 30)
الرَّأْيُ الأَْوَّل: يَمْلِكُ الإِْمَامُ عَزْلَهُ مُطْلَقًا، فَإِذَا عَزَلَهُ نَفَذَ عَزْلُهُ، سَوَاءٌ وَجَدَ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ مِنْهُ أَوْ مِثْلُهُ أَوْ لَمْ يَجِدْ، دُونَ حُصُول إِثْمٍ عَلَيْهِ لِمَصْلَحَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَهُوَ رَأْيُ الْحَنَفِيَّةِ وَأَحَدُ رَأْيَيِ الْحَنَابِلَةِ، وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِأَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ كَانُوا يَعْزِلُونَ قُضَاتَهُمْ، وَلَوْلاَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَقِّهِمْ لَمَا فَعَلُوهُ (1) .
الرَّأْيُ الثَّانِي: يُمْكِنُ لِلإِْمَامِ عَزْل الْقَاضِي لِسَبَبٍ مِنَ الأَْسْبَابِ التَّالِيَةِ:
أ - حُصُول خَلَلٍ مِنْهُ وَلَوْ بِغَالِبِ الظَّنِّ، وَمِنْ ذَلِكَ كَثْرَةُ الشَّكَاوَى عَلَيْهِ.
ب - أَنْ لاَ يَحْصُل مِنْهُ خَلَلٌ، وَلَكِنْ هُنَاكَ مَنْ هُوَ أَفْضَل مِنْهُ تَحْصِيلاً لِتِلْكَ الْمَزِيَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ.
ج - أَنْ لاَ يَحْصُل مِنْهُ خَلَلٌ وَلَيْسَ هُنَاكَ أَفْضَل مِنْهُ بَل مِثْلَهُ أَوْ دُونَهُ، وَلَكِنْ فِي عَزْلِهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، كَتَسْكِينِ فِتْنَةٍ.
أَمَّا إِنْ عَزَلَهُ دُونَ حُصُول هَذِهِ الأَْسْبَابِ فَإِنَّهُ آثِمٌ، وَهَل يَنْفُذُ عَزْلُهُ أَمْ لاَ؟ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ يَنْفُذُ، وَهُوَ الأَْصَحُّ، وَبِهِ قَطَعَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَعَلَّل ذَلِكَ بِأَنَّهُ مُرَاعَاةً لأَِمْرِ الإِْمَامِ إِلاَّ إِذَا لَمْ يُوجَدْ هُنَاكَ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ غَيْرُهُ، فَعِنْدَئِذٍ لاَ يَنْفُذُ.
__________
(1) الفتاوى الهندية 3 / 317، بدائع الصنائع 7 / 16، والمغني لابن قدامة 9 / 103 ط. بيروت.
ثَانِيهِمَا: عَدَمُ النَّفَاذِ وَذَلِكَ لِعَدَمِ الْخَلَل وَعَدَمِ الْمَصْلَحَةِ.
وَهَذَا هُوَ الرَّأْيُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَال بِهِ الْمَالِكِيَّةُ إِلاَّ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَجِبُ عَزْلُهُ إِنْ تَحَقَّقَتِ الْمَفْسَدَةُ فِي بَقَائِهِ وَيُسْتَحَبُّ إِنْ خُشِيَ مَفْسَدَتُهُ (1) . الرَّأْيُ الثَّالِثُ: عَدَمُ جَوَازِ عَزْلِهِ مُطْلَقًا، وَهُوَ الرَّأْيُ الثَّانِي لِلْحَنَابِلَةِ.
وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّ تَوْلِيَةَ الْقَضَاءِ لَهُ أَمْرٌ تَعُودُ مَصْلَحَتُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَمْلِكِ الإِْمَامُ عَزْلَهُ كَمَا لَوْ عَقَدَ النِّكَاحَ عَلَى مُوَلِّيَتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَسْخُهُ (2) .
اسْتِيلاَءُ الْبَاغِي عَلَى السُّلْطَةِ هَل يُؤَدِّي إِلَى عَزْل الْقُضَاةِ؟
8 - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْقُضَاةَ لاَ يَنْعَزِلُونَ بِمُجَرَّدِ اسْتِيلاَءِ الْبَاغِي، إِلاَّ أَنَّهُ لَوْ عَزَلَهُمُ انْعَزَلُوا وَلاَ تَنْفُذُ أَحْكَامُهُمْ.
وَإِذَا انْهَزَمَ الْبَاغِي وَعَادَ السُّلْطَانُ الْعَدْل لِلْحُكْمِ فَلاَ بُدَّ مِنْ تَقْلِيدِهِمْ ثَانِيًا لِمَنْصِبِ الْقَضَاءِ (3) .
__________
(1) مغني المحتاج 4 / 381، وأدب القاضي لابن أبي الدم 1 / 150.
(2) انظر المغني 9 / 103، والمبدع 10 / 16، الخرشي 7 / 146.
(3) الفتاوى الهندية 3 / 307.
الصفحة 74