كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 31)
لَمْ يَكُنْ صَانِعَ خَلٍّ (خَلاَّلاً) ؛ لأَِنَّهُ إِعَانَةٌ لَهُ عَلَى مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ.
وَفَصَّل الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْمْرِ، فَقَالُوا: تُرَدُّ الْخَمْرُ الْمُحْتَرَمَةُ - وَهِيَ الَّتِي عُصِرَتْ بِقَصْدِ الْخَلِّيَّةِ، أَوْ بِغَيْرِ قَصْدِ الْخَمْرِيَّةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ - الْمَغْصُوبَةُ مِنْ مُسْلَمٍ إِلَيْهِ، وَلاَ تُرَدُّ الْخَمْرُ غَيْرُ الْمُحْتَرَمَةِ، بَل تُرَاقُ.
وَلَوْ غَصَبَ عَصِيرًا، فَتَخَمَّرَ، ثُمَّ تَخَلَّل، فَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْخَل لِلْمَالِكِ، وَعَلَى الْغَاصِبِ أَرْشُ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْعَصِيرِ إِنْ كَانَ الْخَل أَنْقَصَ قِيمَةً مِنَ الْعَصِيرِ، لِحُصُولِهِ فِي يَدِهِ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مِثْل الْعَصِيرِ.
وَلَوْ غَصَبَ شَخْصٌ جِلْدَ مَيْتَةٍ فَدَبَغَهُ، فَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا أَنَّ الْجِلْدَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، كَالْخَمْرِ الَّتِي تَخَلَّلَتْ، فَإِذَا تَلِفَا بِيَدِهِ ضَمِنَهُمَا.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يَلْزَمُ الْغَاصِبَ رَدُّ جِلْدِ الْمَيْتَةِ وَلَوْ دَبَغَهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَطْهُرُ بِدَبْغِهِ عِنْدَهُمْ، وَلاَ قِيمَةَ لَهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (1) إِلَى أَنَّهُ لاَ يَضْمَنُ الْغَاصِبُ خَمْرَ الْمُسْلِمِ أَوْ خِنْزِيرَهُ إِذَا غَصَبَهُ وَهَلَكَ فِي يَدِهِ، أَوِ اسْتَهْلَكَهُ، أَوْ خَلَّل الْخَمْرَ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْغَاصِبُ مُسْلِمًا أَمْ
__________
(1) البدائع 7 / 147 وما بعدها، الدر المختار 5 / 147 - 149، تكملة فتح القدير 7 / 396 - 405، تبيين الحقائق 5 / 333، اللباب شرح الكتاب 2 / 195.
ذِمِّيًّا؛ لأَِنَّ الْخَمْرَ لَيْسَتْ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، وَيَجِبُ إِرَاقَتُهَا، وَكَذَا الْخِنْزِيرُ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ.
لَكِنْ لَوْ قَامَ الْغَاصِبُ بِتَخْلِيل خَمْرِ الْمُسْلِمِ، ثُمَّ اسْتَهْلَكَهَا يَضْمَنُ خَلًّا مِثْلَهَا لاَ خَمْرًا؛ لأَِنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ سَبَبُ الضَّمَانِ، وَهُوَ إِتْلاَفُ خَلٍّ مَمْلُوكٍ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، فَيَضْمَنُ، وَلِصَاحِبِ الْخَمْرِ أَنْ يَأْخُذَ الْخَل بِغَيْرِ شَيْءٍ؛ وَكَذَلِكَ يَضْمَنُ الْغَاصِبُ جِلْدَ الْمَيْتَةِ إِذَا دَبَغَهُ الْغَاصِبُ، وَيَأْخُذُ جِلْدَ الْمَيْتَةِ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا زَادَ الدِّبَاغُ فِيهِ إِنْ دَبَغَهَا بِمَا لَهُ قِيمَةٌ، وَكَذَلِكَ إِذَا خَلَّل الْخَمْرَ بِمَا لَهُ قِيمَةٌ.
وَيَضْمَنُ الْمُسْلِمُ أَوِ الذِّمِّيُّ خَمْرَ الذِّمِّيِّ أَوْ خِنْزِيرَهُ إِذَا اسْتَهْلَكَهُ؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَالٌ عِنْدَ أَهْل الذِّمَّةِ، فَالْخَمْرُ عِنْدَهُمْ كَالْخَل عِنْدَنَا، وَالْخِنْزِيرُ عِنْدَهُمْ كَالشَّاةِ عِنْدَنَا، وَنَحْنُ أُمِرْنَا بِتَرْكِهِمْ وَمَا يَدِينُونَ (1) ، وَبِهِ يُقَرُّونَ عَلَى بَيْعِهِمَا.
لَكِنْ تَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ قِيمَةُ الْخَمْرِ لاَ رَدُّ مِثْلِهَا وَإِنْ كَانَتِ الْخَمْرُ مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ؛ لأَِنَّ الْمُسْلِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ تَمَلُّكِهَا، وَغَيْرَ الْمُسْلِمِ
__________
(1) هذا مروي عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - حيث قال: إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا، وأموالهم كأموالنا، وأمرنا بتركهم وما يدينون (نصب الراية 4 / 369، تكملة الفتح 7 / 398) .
الصفحة 233