كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 31)
ج - الْهَدْمُ وَالْقَلْعُ.
21 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْغَاصِبَ يُلْزَمُ بِرَدِّ الْمَغْصُوبِ إِلَى صَاحِبِهِ كَمَا أَخَذَهُ، كَمَا يُلْزَمُ بِإِزَالَةِ مَا أَحْدَثَ فِيهِ مِنْ بِنَاءٍ، أَوْ زَرْعٍ أَوْ غَرْسٍ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ (1) وَلِلْمَالِكِ الْمُطَالَبَةُ بِهَدْمِ الْبِنَاءِ الَّذِي بَنَاهُ الْغَاصِبُ عَلَى الْمَغْصُوبِ، وَقَلْعِ الشَّجَرِ الَّذِي غَرَسَهُ أَوِ الزَّرْعِ الَّذِي زَرَعَهُ بِلاَ إِذْنِ الْمَالِكِ.
غَيْرَ أَنَّ فُقَهَاءَ الْمَذَاهِبِ فَصَّلُوا فِي الأَْمْرِ كَمَا يَلِي:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ غَصَبَ سَاجَةً (خَشَبَةً عَظِيمَةً تُسْتَعْمَل فِي أَبْوَابِ الدُّورِ وَبِنَائِهَا) فَبَنَى عَلَيْهَا أَوْ حَوْلَهَا، وَكَانَتْ قِيمَةُ الْبِنَاءِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا، زَال مِلْكُ مَالِكِهَا عَنْهَا، وَلَزِمَ الْغَاصِبَ قِيمَتُهَا، لِصَيْرُورَتِهَا شَيْئًا آخَرَ، وَفِي الْقَلْعِ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ لِصَاحِبِ الْبِنَاءِ (الْغَاصِبِ) مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ تَعُودُ لِلْمَالِكِ، وَضَرَرُ الْمَالِكِ يَنْجَبِرُ بِالضَّمَانِ، وَلاَ ضَرَرَ فِي الإِْسْلاَمِ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ قِيمَةُ السَّاجَةِ أَكْثَرَ مِنَ الْبِنَاءِ، فَلَمْ يَزُل مِلْكُ مَالِكِهَا، لأَِنَّهُ " يَرْتَكِبُ أَخَفَّ الضَّرَرَيْنِ وَأَهْوَنَ الشَّرَّيْنِ ".
__________
(1) حديث: " ليس لعرق ظالم حق. . . ". أخرجه الترمذي (3 / 653) من حديث سعيد بن زيد، وخرج الحديث ابن حجر في الفتح (5 / 19) وقال عن طرقه: في أسانيدها مقال، لكن يتقوى بعضها ببعض.
وَعَقَّبَ قَاضِي زَادَهْ عَلَى هَذِهِ التَّفْرِقَةِ، فَقَال: لاَ فَرْقَ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الْبِنَاءِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ السَّاجَةِ وَبَيْنَ الْعَكْسِ؛ لأَِنَّ ضَرَرَ الْمَالِكِ مَجْبُورٌ بِالْقِيمَةِ، وَضَرَرَ الْغَاصِبِ ضَرَرٌ مَحْضٌ، وَلاَ رَيْبَ أَنَّ الضَّرَرَ الْمَجْبُورَ دُونَ الضَّرَرِ الْمَحْضِ، فَلاَ يَرْتَكِبُ الضَّرَرَ الأَْعْلَى عِنْدَ إِمْكَانِ الْعَمَل بِالضَّرَرِ الأَْدْنَى، فَيُعْمَل بِقَاعِدَةِ: " الضَّرَرُ الأَْشَدُّ يُزَال بِالأَْخَفِّ " فِي مَسْأَلَةِ السَّاجَةِ، أَيْ أَنَّهُ يُعَوِّضُ الْمَالِكَ، وَتَزُول مِلْكِيَّتُهُ عَنِ السَّاجَةِ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ السَّاجَةِ فَهِيَ. . لَوْ غَصَبَ غَاصِبٌ أَرْضًا فَغَرَسَ فِيهَا، أَوْ بَنَى فِيهَا، وَكَانَتْ قِيمَةُ الأَْرْضِ (السَّاجَةِ) أَكْثَرَ، أُجْبِرَ الْغَاصِبُ عَلَى قَلْعِ الْغَرْسِ، وَهَدْمِ الْبِنَاءِ، وَرَدِّ الأَْرْضِ فَارِغَةً إِلَى صَاحِبِهَا كَمَا كَانَتْ؛ لأَِنَّ الأَْرْضَ لاَ تُغْصَبُ حَقِيقَةً عِنْدَهُمْ، فَيَبْقَى فِيهَا حَقُّ الْمَالِكِ كَمَا كَانَ، وَالْغَاصِبُ جَعَلَهَا مَشْغُولَةً، فَيُؤْمَرُ بِتَفْرِيغِهَا، إِذْ لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْبِنَاءِ أَكْثَرَ، فَلِلْغَاصِبِ أَنْ يَضْمَنَ لِلْمَالِكِ قِيمَةَ الأَْرْضِ وَيَأْخُذَهَا.
وَإِذَا كَانَتِ الأَْرْضُ تَنْقُصُ بِقَلْعِ الْغَرْسِ مِنْهَا أَوْ هَدْمِ الْبِنَاءِ، فَلِلْمَالِكِ أَنْ يَضْمَنَ لِلْغَاصِبِ قِيمَةَ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسَ مَقْلُوعًا
الصفحة 240