كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 31)

وَانْفَرَدَ الْحَنَفِيَّةُ بِرَأْيٍ فِي قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ، فَجَعَلُوا هَذِهِ الْقِسْمَةَ ضَرْبَيْنِ:
قِسْمَةِ الْحَمْل: وَتَكُونُ فِي حَالَةِ مَا إِذَا عَزَّتِ الدَّوَابُّ وَلَمْ يَجِدِ الإِْمَامُ حُمُولَةً، فَإِنَّهُ يُفَرِّقُ الْغَنَائِمَ عَلَى الْغُزَاةِ، فَيَحْمِل كُل رَجُلٍ عَلَى قَدْرِ نَصِيبِهِ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ، ثُمَّ يَسْتَرِدُّهَا مِنْهُمْ فَيَقْسِمُهَا.
قِسْمَةُ الْمِلْكِ: وَهِيَ لاَ تَجُوزُ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
وَهَذَا الاِخْتِلاَفُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ. وَهُوَ أَنَّ الْمِلْكَ هَل يَثْبُتُ فِي الْغَنَائِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِلْغُزَاةِ؟
فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يَثْبُتُ الْمِلْكُ أَصْلاً فِيهَا. لاَ مِنْ كُل وَجْهٍ وَلاَ مِنْ وَجْهٍ، وَلَكِنْ يَنْعَقِدُ سَبَبُ الْمِلْكِ فِيهَا عَلَى أَنْ تَصِيرَ عِلَّةً عِنْدَ الإِْحْرَازِ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ، وَهُوَ تَفْسِيرُ حَقِّ الْمِلْكِ أَوْ حَقِّ التَّمَلُّكِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
كَمَا أَنَّ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَنَائِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ (1) ، وَالْقِسْمَةُ بَيْعٌ مَعْنًى، فَتَدْخُل تَحْتَهُ (2)
وَعِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ: الْغَنِيمَةُ تُمْلَكُ بِالاِسْتِيلاَءِ عَلَيْهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، لأَِنَّهَا
__________
(1) حديث: " النهي عن بيع الغنيمة في دار الحرب ". قال الزيلعي في نصب الراية (3 / 408) : غريب جدًا، وقال ابن حجر في الدراية (2 / 120) : لم أجده.
(2) بدائع الصنائع 7 / 122، والبحر الرائق 5 / 83 - 84، وشرح السير الكبير 3 / 1010.
مَالٌ مُبَاحٌ، فَمُلِكَتْ بِالاِسْتِيلاَءِ عَلَيْهَا كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ وَمُجَرَّدُ الاِسْتِيلاَءِ وَإِزَالَةُ أَيْدِي الْكُفَّارِ عَنْهَا كَافٍ.
وَالدَّلِيل عَلَى تَحَقُّقِ الاِسْتِيلاَءِ أَنَّ الاِسْتِيلاَءَ عِبَارَةٌ عَنْ إِثْبَاتِ الْيَدِ عَلَى الْمَحَل، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ حَقِيقَةً (1)

الأَْخْذُ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَالاِنْتِفَاعُ بِهَا قَبْل الْقِسْمَةِ وَبَعْدَهَا:
18 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِشَخْصٍ مِنَ الْمُجَاهِدِينَ الَّذِينَ يُسْهَمُ لَهُمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا إِنْ كَانَ مُحْتَاجًا وَإِنْ لَمْ يَبْلُغِ الضَّرُورَةَ الْمُبِيحَةَ لِلْمَيْتَةِ. وَقَيَّدَ الْحَنَابِلَةُ ذَلِكَ بِمَا إِذَا كَانَ قَبْل جَمْعِ الْغَنِيمَةِ، أَمَّا إِذَا جُمِعَتِ الْغَنَائِمُ. فَلاَ يَجُوزُ لأَِحَدٍ الأَْخْذُ مِنَ الطَّعَامِ أَوِ الْعَلَفِ إِلاَّ لِلضَّرُورَةِ (2) .
فَإِنْ كَانَ لاَ يُسْهَمُ لَهُ، فَفِي جَوَازِ أَخْذِهِ وَعَدَمِهِ قَوْلاَنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (3) .
وَيَجُوزُ لِلْمُجَاهِدِ الَّذِي يُسْهَمُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ نَعْلاً وَحِزَامًا وَإِبْرَةً وَطَعَامًا وَعَلَفًا لِدَابَّتِهِ، فَإِنْ أَخَذَ نِعَمًا، أَيْ إِبِلاً وَبَقَرًا وَغَنَمًا. ذَكَّاهُ وَأَكَل لَحْمَهُ وَرَدَّ جِلْدَهُ لِلْغَنِيمَةِ إِنْ لَمْ يَحْتَجْ لَهُ.
__________
(1) الأم 4 / 66، وكشاف القناع 3 / 82.
(2) المغني 8 / 445، وبدائع الصنائع 7 / 123، 124.
(3) منح الجليل 1 / 720.

الصفحة 307