كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 31)

وَيَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ كُل مَا كَانَ مَأْكُولاً، مِثْل السَّمْنِ وَالزَّيْتِ وَالْخَل لِتَنَاوُلِهِ وَالاِنْتِفَاعِ بِهِ لِنَفْسِهِ وَدَابَّتِهِ؛ لأَِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى الاِنْتِفَاعِ بِهَذِهِ الأَْشْيَاءِ قَبْل الإِْحْرَازِ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ قَائِمَةٌ.
وَيَرُدُّ الآْخِذُ لِلْغَنِيمَةِ مَا فَضَل عَنْ حَاجَتِهِ مِنْ جَمِيعِ مَا أَخَذَهُ وَإِنْ كَثُرَ. أَيْ زَادَتْ قِيمَتُهُ عَنْ دِرْهَمٍ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْيَسِيرَ وَهُوَ مَا يُسَاوِي دِرْهَمًا لاَ يَجِبُ رَدُّهُ إِلَيْهَا، وَإِنْ تَعَذَّرَ رَدُّ مَا وَجَبَ رَدُّهُ. تَصَدَّقَ بِهِ كُلِّهِ بِلاَ تَخْمِيسٍ (1) . وَفِي الْمُقَابِل إِذَا أَعْطَى صَاحِبُ الْمَقَاسِمِ قَوْمًا بَعْضَ حِصَصِهِمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ عَلَى الْحَزْرِ وَالظَّنِّ، ثُمَّ تَبَيَّنَ مِنَ الْقِسْمَةِ أَنَّ حِصَّتَهُمْ كَانَتْ أَكْثَر مِمَّا أَخَذُوا، فَإِنَّ الْبَاقِيَ يُرَدُّ إِلَيْهِمْ، أَوْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ إِنْ كَانُوا قَدْ ذَهَبُوا (2) .
وَلَوْ أَخَذَ جُنْدِيٌّ شَيْئًا مِنْ طَعَامِ الْغَنِيمَةِ فَأَهْدَاهُ إِلَى تَاجِرٍ فِي الْعَسْكَرِ لاَ يُرِيدُ الْقِتَال، لَمْ يُسْتَحَبَّ لِلتَّاجِرِ أَنْ يَأْكُل ذَلِكَ لأَِنَّ التَّنَاوُل مِنْهُ مُبَاحٌ لِلْجُنْدِيِّ. وَذَلِكَ لاَ يَتَعَدَّى إِلَى الإِْهْدَاءِ (3)
وَمَا سِوَى الْمَأْكُول وَالْمَشْرُوبِ وَالْعَلَفِ وَالْحَطَبِ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْتَفِعُوا بِهِ؛ لأَِنَّ حَقَّ
__________
(1) منح الجليل 1 / 720، والشرح الكبير للدردير بهامش حاشية الدسوقي 2 / 179.
(2) شرح السير الكبير 4 / 1142، 1143، ومغني المحتاج 4 / 231 - 232.
(3) شرح السير الكبير 4 / 1182.
الْغَانِمِينَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وَفِي الاِنْتِفَاعِ بِهِ إِبْطَال حَقِّهِمْ، إِلاَّ إِذَا احْتَاجَ إِلَى اسْتِعْمَال شَيْءٍ مِنَ السِّلاَحِ أَوِ الدَّوَابِّ أَوِ الثِّيَابِ. فَلاَ بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِهِ، ثُمَّ يَرُدُّهُ إِلَى الْغَنِيمَةِ؛ لأَِنَّ هَذَا مَوْضِعُ الضَّرُورَةِ أَيْضًا، لَكِنَّ الثَّابِتَ بِالضَّرُورَةِ لاَ يَتَعَدَّى مَحَل الضَّرُورَةِ. حَتَّى أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَعْمِل شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وِقَايَةً لِسِلاَحِهِ وَدَوَابِّهِ وَثِيَابِهِ وَصِيَانَةً لَهَا، فَلاَ يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ؛ لاِنْعِدَامِ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ.
وَلاَ يَنْتَفِعُ بِالْغَنِيمَةِ إِلاَّ الْغَانِمُونَ أَنْفُسُهُمْ، فَلاَ يَجُوزُ لِلتُّجَّارِ أَنْ يَأْكُلُوا شَيْئًا مِنَ الْغَنِيمَةِ إِلاَّ بِثَمَنٍ (1) .
وَقَدْ قُيِّدَ جَوَازُ الاِنْتِفَاعِ بِالْغَنِيمَةِ بِمَا إِذَا لَمْ يَنْهَهُمُ الإِْمَامُ عَنِ الاِنْتِفَاعِ بِالْمَأْكُول أَوِ الْمَشْرُوبِ، أَمَّا إِذَا نَهَاهُمْ عَنْهُ فَلاَ يُبَاحُ لَهُمُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ، فَعَنْ رَافِعٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ. فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ. وَأَصَبْنَا إِبِلاً وَغَنَمًا. وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ، فَعَجَّلُوا فَنَصَبُوا الْقُدُورَ. فَأَمَرَ بِالْقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ ثُمَّ قَسَمَ. (2) وَأَمْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِكْفَاءِ الْقُدُورِ مُشْعِرٌ بِكَرَاهَةِ مَا صَنَعُوا مِنْ
__________
(1) بدائع الصنائع 7 / 124، والبحر الرائق 5 / 86.
(2) حديث رافع: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بذي الحليفة. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 6 / 188) .

الصفحة 308