كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 31)

وَلَقَدْ تَعَارَضَتْ رِوَايَاتُ الأَْخْبَارِ فِي الْبَابِ: فَرُوِيَ فِي بَعْضِهَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَمَ لِلْفَارِسِ سَهْمَيْنِ، وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ قَسَمَ لَهُ ثَلاَثَةَ أَسْهُمٍ. (1)
وَإِذَا شَهِدَ الْفَارِسُ الْقِتَال بِفَرَسٍ صَحِيحٍ، ثُمَّ مَرِضَ هَذَا الْفَرَسُ مَرَضًا يُرْجَى بُرْؤُهُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يُسْهِمُ لَهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ شَهِدَ الْقِتَال عَلَى حَالَةٍ يُرْجَى بُرْؤُهُ وَيُتَرَقَّبُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ. وَهَذَا قَوْل مَالِكٍ. وَفِي قَوْل أَشْهَبَ وَابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ لاَ يُسْهِمُ لَهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ الْقِتَال عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ الْكَبِيرَ (2) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُسْهِمُ لِفَرَسٍ مُحَبَّسٍ، وَسَهْمَاهُ لِلْمُقَاتِل عَلَيْهِ لاَ لِلْمُحَبَّسِ، وَلاَ فِي مَصَالِحِهِ كَعَلَفٍ وَنَحْوِهِ، وَلِفَرَسٍ مَغْصُوبٍ، وَسَهْمَاهُ لِلْمُقَاتِل عَلَيْهِ إِنْ غُصِبَ مِنَ الْغَنِيمَةِ فَقَاتَل بِهِ فِي غَنِيمَةٍ أُخْرَى. وَعَلَيْهِ أُجْرَتُهُ لِلْجَيْشِ، أَوْ غَصَبَهُ مِنْ غَيْرِ الْجَيْشِ، بِأَنْ غَصَبَهُ مِنْ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَسَهْمَاهُ لِلْغَاصِبِ، وَلِرَبِّهِ أُجْرَةُ
__________
(1) حديث: " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - " قسم للفارس سهمين ". أخرجه أبو داود (3 / 175) من حديث مجمع بن جارية، وضعف إسناده ابن حجر في الفتح (6 / 68) .
(2) منح الجليل 1 / 745، والخرشي 3 / 134.
الْمِثْل (1) .
وَلاَ يُسْهِمُ لِفَرَسٍ أَعْجَفَ - أَيْ مَهْزُولٍ - وَلاَ مَا لاَ نَفْعَ فِيهِ كَالْهَرَمِ وَالْكَبِيرِ، وَلاَ لِبَعِيرٍ وَغَيْرِهِ كَالْفِيل وَالْبَغْل وَالْحِمَارِ؛ لأَِنَّهَا لاَ تَصْلُحُ لِلْحَرْبِ صَلاَحِيَّةَ الْخَيْل، وَلَكِنْ يَرْضَخُ لَهَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَيُفَاوِتُ بَيْنَهَا بِحَسَبِ النَّفْعِ، فَيَكُونُ رَضْخُ الْفِيل أَكْثَر مِنْ رَضْخِ الْبَغْل، وَرَضْخُ الْبَغْل أَكْثَرُ مِنْ رَضْخِ الْحِمَارِ.
وَلَقَدْ كَانَ مَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعُونَ بَعِيرًا، فَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُمْ أَسْهَمُوا لِغَيْرِ الْخَيْل؛ لأَِنَّ غَيْرَ الْخَيْل لاَ يُلْحَقُ بِهَا فِي التَّأْثِيرِ فِي الْحَرْبِ، وَلاَ يَصْلُحُ لِلْكَرِّ وَالْفَرِّ (2) . وَلاَ يُسْهِمُ لأَِكْثَرَ مِنْ فَرَسٍ وَاحِدٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ؛ لأَِنَّ الإِْسْهَامَ لِلْخَيْل فِي الأَْصْل ثَبَتَ عَلَى مُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ، إِلاَّ أَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِهِ لِفَرَسٍ وَاحِدٍ، فَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ تُرَدُّ إِلَى أَصْل الْقِيَاسِ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ يُسْهِمُ لِفَرَسَيْنِ؛ لأَِنَّ الْغَازِيَ تَقَعُ الْحَاجَةُ لَهُ إِلَى فَرَسَيْنِ، يَرْكَبُ أَحَدَهُمَا وَيُجَنِّبُ الآْخَرَ.
__________
(1) الشرح الكبير 2 / 193.
(2) الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع 2 / 218، ونهاية المحتاج 6 / 147 وما بعدها، وروضة الطالبين 6 / 383 وما بعدها، وكشاف القناع 3 / 87 - 89.

الصفحة 313