كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 32)
ذَهَبَ الْخَطَّابِيُّ (1) . وَالْحِجَامَةُ وَالْفَصْدُ يَجْتَمِعَانِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إِخْرَاجٌ لِلدَّمِ، وَيَفْتَرِقَانِ فِي أَنَّ الْفَصْدَ شَقُّ الْعِرْقِ، وَالْحِجَامَةَ مَصُّ الدَّمِ بَعْدَ الشَّرْطِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
3 - يَجُوزُ الْفَصْدُ بِشَرْطِ مَهَارَةِ الْقَائِمِ بِهِ، لأَِنَّ الْفَصَادَةَ - كَمَا قَال الأَْطِبَّاءُ - مَخْطَرَةٌ، فَلاَ يُؤْمَنُ بِهَا إِلاَّ مِنْ مَاهِرٍ، وَقَدْ قَال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: الشِّفَاءُ فِي ثَلاَثٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وَكَيَّةِ نَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ (2) .
قِيل: الْمُرَادُ بِشَرْطَةِ مِحْجَمٍ: الْفَصْدُ (3) .
وَقَال ابْنُ حَجَرٍ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْحَدِيثِ: إِنَّمَا خَصَّ الْحَجْمَ بِالذِّكْرِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَال الْعَرَبِ وَإِلْفِهِمْ لَهُ، بِخِلاَفِ الْفَصْدِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِي مَعْنَى الْحَجْمِ لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا لَهَا غَالِبًا، عَلَى أَنَّ فِي التَّعْبِيرِ بِقَوْلِهِ: " شَرْطَةِ مِحْجَمٍ " مَا قَدْ يَتَنَاوَل الْفَصْدَ، وَأَيْضًا فَالْحَجْمُ فِي الْبِلاَدِ الْحَارَّةِ أَنْجَحُ مِنَ الْفَصْدِ، وَالْفَصْدُ فِي الْبِلاَدِ الَّتِي لَيْسَتْ بِحَارَّةٍ
__________
(1) الزرقاني على الموطأ 2 / 187، وإكمال الإكمال 4 / 265، وفتح الباري 12 / 244.
(2) حديث: " الشفاء في ثلاث. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 10 / 136) من حديث ابن عباس.
(3) شرح زروق على متن الرسالة ص409.
أَنْجَحُ مِنَ الْحَجْمِ (1) .
وَكَرِهَ بَعْضُ أَهْل الْعِلْمِ التَّدَاوِيَ بِذَلِكَ، وَرَأَوْا أَنَّ تَرْكَهُ وَالاِتِّكَال عَلَى اللَّهِ أَفْضَل مِنْهُ (2)
أَثَرُ الْفَصْدِ عَلَى الْوُضُوءِ:
4 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى عَدَمِ انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِالْفَصْدِ، لِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ حَرَسَا الْمُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَقَامَ أَحَدُهُمَا يُصَلِّي فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنَ الْكُفَّارِ بِسَهْمٍ فَنَزَعَهُ وَصَلَّى وَدَمُهُ يَجْرِي، وَعَلِمَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ (3) قَال الرَّمْلِيُّ: وَأَمَّا صَلاَتُهُ مَعَ الدَّمِ فَلِقِلَّةِ مَا أَصَابَهُ مِنْهُ (4) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْفَصْدَ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ (5) .
وَيَقُول الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ خُرُوجَ الْكَثِيرِ مِنَ الدَّمِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَيَحْتَجُّونَ بِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ
__________
(1) فتح الباري 10 / 138 ط السلفية.
(2) شرح التتنوخي القروي على الرسالة، مطبوع مع شرح زروق ص408 - 409، وانظر كفاية الطالب الرباني 2 / 452 نشر دار المعرفة.
(3) حديث: " أن رجلين من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم حرسا المسلمين في غزوة ذات الرقاع. . . " أخرجه أبو داود (1 / 136) من حديث جابر بن عبد الله، والراوي عنه فيه جهالة كما في الميزان للذهبي (3 / 88) .
(4) الدسوقي / 1 / 123، ونهاية المحتاج 1 / 96.
(5) حاشية الطحطاوي على الدر المختار 1 / 78.
الصفحة 147