كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 32)

وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ شَرْطَ التَّحْرِيمِ بِالرَّضَاعِ أَنْ يَكُونَ الرَّضَاعُ فِي الْحَوْلَيْنِ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهَذَا قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ، رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِوَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَالأَْوْزَاعِيُّ.
وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ أَثَرَ لِلْفِطَامِ فِي ذَلِكَ، فَالاِعْتِبَارُ بِالْعَامَيْنِ لاَ بِالْفِطَامِ، فَلَوْ فُطِمَ قَبْل الْحَوْلَيْنِ ثُمَّ ارْتَضَعَ فِيهِمَا لَحَصَل التَّحْرِيمُ، وَلَوْ لَمْ يُفْطَمْ حَتَّى تَجَاوَزَ الْحَوْلَيْنِ ثُمَّ ارْتَضَعَ بَعْدَهُمَا قَبْل الْفِطَامِ لَمْ يَثْبُتِ التَّحْرِيمُ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} (1) قَالُوا: جَعَل اللَّهُ الْحَوْلَيْنِ الْكَامِلَيْنِ تَمَامَ مُدَّةِ الرَّضَاعِ، وَلَيْسَ وَرَاءَ التَّمَامِ حُكْمٌ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا} . (2) وَأَقَل مُدَّةِ الْحَمْل سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَبَقِيَ مُدَّةُ الْفِصَال حَوْلَيْنِ، وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ رَضَاعَ إِلاَّ مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ (3) وَالْفِطَامُ مُعْتَبَرٌ بِمُدَّتِهِ لاَ بِنَفْسِهِ
__________
(1) سورة البقرة / 233.
(2) سورة الأحقاف / 15.
(3) حديث: " لا رضاع إلا ما كان في الحولين " أخرجه الدارقطني (4 / 174) من حديث ابن عباس، ورجح ابن القطان وقفه على ابن عباس كما في نصب الراية للزيلعي (3 / 219) .
كَمَا قَال ابْنُ قُدَامَةَ (1) .
وَاتَّفَقَ أَبُو حَنِيفَةَ مَعَ الْجُمْهُورِ فِي أَنَّ الْفِطَامَ لاَ أَثَرَ لَهُ فِي التَّحْرِيمِ بِالرَّضَاعِ لَكِنَّهُ خَالَفَهُمْ فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ فَقَال: إِنَّهَا ثَلاَثُونَ شَهْرًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا} أَيْ مُدَّةُ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْحَمْل وَالْفِصَال ثَلاَثُونَ شَهْرًا، إِلاَّ أَنَّهُ قَامَ الْمُنَقِّصُ فِي أَحَدِهِمَا - يَعْنِي مُدَّةَ الْحَمْل - وَهُوَ حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: مَا تَزِيدُ الْمَرْأَةُ فِي الْحَمْل عَلَى سَنَتَيْنِ وَلاَ قَدْرِ مَا يَتَحَوَّل ظِل عُودِ الْمِغْزَل (2) فَتَبْقَى مُدَّةُ الْفِصَال عَلَى ظَاهِرِهَا، وَهِيَ ثَلاَثُونَ شَهْرًا، فَإِذَا حَصَل الرَّضَاعُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ سَوَاءٌ أَفُطِمَ أَمْ لَمْ يُفْطَمْ، وَإِذَا مَضَتِ الْمُدَّةُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالرَّضَاعِ تَحْرِيمٌ، قَال الْكَاسَانِيُّ: لَوْ فُصِل الرَّضِيعُ فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ ثُمَّ سُقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمُدَّةِ كَانَ ذَلِكَ رَضَاعًا مُحَرِّمًا، وَلاَ يُعْتَبَرُ الْفِطَامُ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْوَقْتُ، وَإِذَا مَضَتِ الْمُدَّةُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالرَّضَاعِ تَحْرِيمٌ، فُطِمَ أَوْ لَمْ يُفْطَمْ.
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَال: إِذَا
__________
(1) البدائع 4 / 706، وفتح القدير مع الهداية 3 / 308، 309، وحاشية الدسوقي مع الشرح الكبير 2 / 503، ونهاية المحتاج 7 / 166 - 175، ومغني المحتاج 3 / 414، 416، والمغني لابن قدامة مع الشرح الكبير 9 / 201 - 203.
(2) أثر عائشة: " ما تزيد المرأة في الحمل على سنتين ولا قدر ما يتحول ظل عود المغزل " أخرجه البيهقي (7 / 443) .

الصفحة 179