كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 32)

وَنَتْفُ الآْبَاطِ. (1)
وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ الْفِطْرَةِ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ فَجَاءَتْ بِلَفْظِ: " عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ "، وَبِلَفْظِ: " خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ "، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَهَذَا لاَ يُرَادُ بِهِ الْحَصْرُ، وَإِنَّمَا يُشَارُ بِهِ إِلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ الْبَيِّنُ الْمَحْسُوسُ مِنْهَا، وَالَّذِي يُدْرِكُهُ كُل إِنْسَانٍ بِطَبْعِهِ، وَهَذَا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ النَّوَوِيُّ وَبَيَّنَ أَنَّ الْخِصَال غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِي الْعَشَرَةِ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ مُعْظَمَهَا عَشْرَةٌ فَهُوَ كَقَوْل الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْحَجُّ عَرَفَةَ (2) وَعَضَّدَ قَوْلَهُ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُول: خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ. . . . (3)
وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ أَنَّ ابْنَ الْعَرَبِيِّ قَال: خِصَال الْفِطْرَةِ تَبْلُغُ ثَلاَثِينَ خَصْلَةً، وَقَدْ عَقَّبَ عَلَى هَذَا الْقَوْل فَقَال: فَإِنْ أَرَادَ خُصُوصَ مَا وَرَدَ بِلَفْظِ الْفِطْرَةِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ فَلاَ يَنْحَصِرُ فِي الثَّلاَثِينَ بَل يَزِيدُ كَثِيرًا. (4)
فَخِصَال الْفِطْرَةِ إِذَنْ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا: أُمَّهَاتُ الأَْخْلاَقِ، وَكُل مَا هُوَ بِرٍّ كَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَصِلَةِ
__________
(1) حديث: " الفطرة خمس. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 10 / 349) .
(2) حديث: " الحج عرفة " أخرجه الترمذي (3 / 228) ، والحاكم (2 / 278) من حديث عبد الرحمن بن يعمر وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(3) المجموع شرح المهذب 1 / 284، 285 نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.
(4) فتح الباري شرح البخاري 12 / 456 ط مطبعة مصطفى البابي الحلبي سنة 1378هـ - 1959م.
الرَّحِمِ، وَأَدَاءِ حُقُوقِ الْجَارِ، وَمُعَاوَنَةِ الْمُحْتَاجِ مَادِّيًّا وَمَعْنَوِيًّا، وَإِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَالصِّدْقِ فِي الْقَوْل وَالْعَمَل، وَالْوَفَاءِ بِالْوَعْدِ وَبِالْعَهْدِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْخِصَال الْحَمِيدَةِ.

أَحْكَامُ خِصَال الْفِطْرَةِ:
أ - فِطْرَةُ الدِّينِ:
5 - أَوْدَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كُل وَاحِدٍ مِنَ الْبَشَرِ عِنْدَ خَلْقِهِ وَوِلاَدَتِهِ فِطْرَةً سَلِيمَةً يُمْكِنُ أَنْ تُوَجِّهَهُ إِلَى طَرِيقِ الْهِدَايَةِ، وَتَصِل بِهِ إِلَى سَبِيل الرَّشَادِ، وَذَلِكَ إِنْ لَمْ تَشُبْهَا الشَّوَائِبُ، وَدَلِيل ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، (1) هَل تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ. (2)
وَقَال الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} (3) قَال طَائِفَةٌ مِنْ أَهْل الْفِقْهِ وَالنَّظَرِ: الْفِطْرَةُ هِيَ الْخِلْقَةُ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْمَوْلُودَ فِي الْمَعْرِفَةِ بِرَبِّهِ، فَكَأَنَّهُ قَال: كُل مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى خِلْقَةٍ يَعْرِفُ بِهَا رَبَّهُ إِذَا بَلَغَ
__________
(1) أي سليمة من العيوب مجتمعة الأعضاء كاملتها.
(2) الجدعاء، هي التي قطعت أذنها. وحديث: " ما من مولود يولد إلا يولد على الفطرة " أخرجه البخاري (فتح الباري 8 / 512) ومسلم (4 / 2047) من حديث أبي هريرة.
(3) سورة الروم / 30.

الصفحة 184