كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 32)
كَالْمَحْبُوسِ فِي مَكَانٍ قَذِرٍ لاَ يَجِدُ صَعِيدًا طَيِّبًا وَلاَ مَاءً يَتَوَضَّأُ مِنْهُ، وَمَقْطُوعِ الْيَدَيْنِ الَّذِي لَمْ يَجِدْ مَنْ يُيَمِّمُهُ أَوْ يُوَضِّئُهُ، وَالْمَصْلُوبِ.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ فَقَطْ، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، (1) لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ، لأَِنَّ الْعَجْزَ فِي الشَّرْطِ لاَ يُوجِبُ تَرْكَ الْمَشْرُوطِ، كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ أَوِ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ.
وَلاَ يُصَلِّي النَّافِلَةَ حِينَئِذٍ، إِذْ لاَ ضَرُورَةَ إِلَيْهَا، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ الْفَرْضُ لِدَاعِي الضَّرُورَةِ إِلَيْهِ، قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: وَهَذِهِ الصَّلاَةُ تُوصَفُ بِالصِّحَّةِ، وَلِهَذَا قَال فِي الْمَجْمُوعِ: تَبْطُل بِالْحَدَثِ وَالْكَلاَمِ وَنَحْوِهِمَا، وَبِهَذَا صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إِذَا كَانَ يَرْجُو أَحَدَ الطَّهُورَيْنِ حَتَّى يَضِيقَ الْوَقْتُ، كَمَا قَال الأَْذْرَعِيُّ.
وَيُعِيدُ الصَّلاَةَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِذَا وَجَدَ أَحَدَ الطَّهُورَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ، لأَِنَّ هَذَا الْعُذْرَ نَادِرٌ وَلاَ دَوَامَ لَهُ.
وَمَا سَبَقَ هُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ، وَمُقَابِلُهُ أَقْوَالٌ:
__________
(1) حديث: " إذا أمرتكم بشيء. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 13 / 251) ، ومسلم (2 / 975) من حديث أبي هريرة.
أَحَدُهَا: تَجِبُ الصَّلاَةُ بِلاَ إِعَادَةٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُزَنِيِّ، وَاخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ، قَال: لأَِنَّهُ أَدَّى وَظِيفَةَ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ.
ثَانِيهَا: يُنْدَبُ لَهُ الْفِعْل وَتَجِبُ الإِْعَادَةُ.
ثَالِثُهَا: يُنْدَبُ لَهُ الْفِعْل وَلاَ إِعَادَةَ.
رَابِعُهَا: يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِعْلُهَا.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلاَدَةً فَضَلَّتْهَا، فَبَعَثَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِجَالاً فِي طَلَبِهَا فَوَجَدُوهَا، فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلاَةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَشَكَوْا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَل اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ (1) ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالإِْعَادَةِ، وَلأَِنَّهُ أَحَدُ شُرُوطِ الصَّلاَةِ، فَسَقَطَ عِنْدَ الْعَجْزِ كَسَائِرِ شُرُوطِهَا، وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ فَاقِدَ الطَّهُورَيْنِ الَّذِي بِهِ حَدَثٌ أَكْبَرُ لاَ يَقْرَأُ فِي الصَّلاَةِ غَيْرَ الْفَاتِحَةِ، قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: لاَ يَقْرَأُ مَنْ بِهِ حَدَثٌ أَكْبَرُ فِي الصَّلاَةِ غَيْرَ الْفَاتِحَةِ عِنْدَ النَّوَوِيِّ، وَيُمْنَعُ مِنْ قِرَاءَتِهَا عِنْدَ الرَّافِعِيِّ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَزِيدُ عَلَى مَا يُجْزِئُ فِي الصَّلاَةِ مِنْ قِرَاءَةٍ وَغَيْرِهَا، فَلاَ يَقْرَأُ زَائِدًا عَلَى
__________
(1) حديث: " نزول آية التيمم ". أخرجه البخاري (7 / 106) من حديث عائشة.
الصفحة 192