كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 33)
وَظَاهِرٌ أَنَّ الاِلْتِمَاسَ مِنَ الْمُقْرِضِ، كَاقْتَرِضْ مِنِّي، يَقُومُ مَقَامَ الإِْيجَابِ، وَمِنَ الْمُقْتَرِضِ، كَأَقْرِضْنِي، يَقُومُ مَقَامَ الْقَبُول، كَمَا فِي الْبَيْعِ (1) .
وَقَال النَّوَوِيُّ: وَقَطَعَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ بِأَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ الإِْيجَابُ وَلاَ الْقَبُول، بَل إِذَا قَال لِرَجُلٍ: أَقْرِضْنِي كَذَا، أَوْ أَرْسَل إِلَيْهِ رَسُولاً، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْمَال، صَحَّ الْقَرْضُ، وَكَذَا لَوْ قَال رَبُّ الْمَال: أَقْرَضْتُكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ، وَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ ثَبَتَ الْقَرْضُ (2) .
وَالشَّافِعِيَّةُ مَعَ قَوْلِهِمْ - فِي الأَْصَحِّ - بِاشْتِرَاطِ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول لِصِحَّةِ الْقَرْضِ، كَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ، اسْتَثْنَوْا مِنْهُ مَا سَمَّوْهُ بِـ " الْقَرْضِ الْحُكْمِيِّ "، فَلَمْ يَشْتَرِطُوا فِيهِ الصِّيغَةَ أَصْلاً (3) ، قَال الرَّمْلِيُّ: أَمَّا الْقَرْضُ الْحُكْمِيُّ، فَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ صِيغَةٌ، كَإِطْعَامِ جَائِعٍ، وَكِسْوَةِ عَارٍ، وَإِنْفَاقٍ عَلَى لَقِيطٍ، وَمِنْهُ أَمْرُ غَيْرِهِ بِإِعْطَاءِ مَا لَهُ غَرَضٌ فِيهِ، كَإِعْطَاءِ شَاعِرٍ أَوْ ظَالِمٍ، أَوْ إِطْعَامِ فَقِيرٍ، وَكَبِعْ هَذَا وَأَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ بِنِيَّةِ الْقَرْضِ (4) .
وَاتَّفَقَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَلَى
__________
(1) أسنى المطالب شرح روض الطالب 2 / 141.
(2) روضة الطالبين 4 / 32.
(3) تحفة المحتاج 5 / 40، وأسنى المطالب 2 / 141.
(4) نهاية المحتاج 4 / 218.
أَنَّ رُكْنَ الْقَرْضِ هُوَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُول، لَكِنْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الرُّكْنَ فِيهِ الإِْيجَابُ فَقَطْ، وَأَمَّا الْقَبُول فَلَيْسَ بِرُكْنٍ، حَتَّى لَوْ حَلَفَ لاَ يُقْرِضُ فُلاَنًا فَأَقْرَضَهُ، وَلَمْ يَقْبَل، لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَفِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى: يَحْنَثُ (1) ، قَال الْكَاسَانِيُّ: وَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: أَنَّ الإِْقْرَاضَ إِعَارَةٌ وَالْقَبُول لَيْسَ بِرُكْنٍ فِي الإِْعَارَةِ، وَوَجْهُ قَوْل مُحَمَّدٍ، أَنَّ الْوَاجِبَ فِي ذِمَّةِ الْمُسْتَقْرِضِ مِثْل الْمُسْتَقْرِضِ، فَلِهَذَا اخْتَصَّ جَوَازُهُ بِمَا لَهُ مِثْلٌ، فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ، فَكَانَ الْقَبُول رُكْنًا فِيهِ كَمَا فِي الْبَيْعِ (2) .
وَفَرَّعَ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى اشْتِرَاطِ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول لاِنْعِقَادِ الْقَرْضِ، مَا لَوْ قَال الْمُقْرِضُ لِلْمُسْتَقْرِضِ: أَقْرَضْتُكَ أَلْفًا، وَقَبِل، وَتَفَرَّقَا، ثُمَّ دَفَعَ إِلَيْهِ الأَْلْفَ، أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَطُل الْفَصْل جَازَ؛ لأَِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ قَصَدَ الإِْيجَابَ، وَإِنْ طَال الْفَصْل لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُعِيدَ لَفْظَ الْقَرْضِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ الْبِنَاءُ عَلَى الْعَقْدِ مَعَ طُول الْفَصْل (3) .
وَالتَّفْصِيل فِي (عَقْد ف 5 - 27) .
__________
(1) بدائع الصنائع 7 / 394.
(2) البدائع 7 / 394.
(3) المهذب 1 / 310.
الصفحة 115