كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 33)

أَهْلِيَّةُ الْمُعَامَلَةِ دُونَ اشْتِرَاطِ أَهْلِيَّةِ التَّبَرُّعِ (1) ، وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ شَرْطَ الْمُقْتَرِضِ تَمَتُّعُهُ بِالذِّمَّةِ؛ لأَِنَّ الدَّيْنَ لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ فِي الذِّمَمِ، ثُمَّ فَرَّعُوا عَلَى ذَلِكَ عَدَمَ صِحَّةِ الاِقْتِرَاضِ لِمَسْجِدٍ أَوْ مَدْرَسَةٍ أَوْ رِبَاطٍ؛ لِعَدَمِ وُجُودِ ذِمَمٍ لِهَذِهِ الْجِهَاتِ عِنْدَهُمْ (2) ، أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلَمْ يَنُصُّوا عَلَى شُرُوطٍ خَاصَّةٍ لِلْمُقْتَرِضِ، وَالَّذِي يُسْتَفَادُ مِنْ فُرُوعِهِمُ الْفِقْهِيَّةِ اشْتِرَاطُهُمْ أَهْلِيَّةَ التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةِ فِيهِ، بِأَنْ يَكُونَ حُرًّا بَالِغًا عَاقِلاً، وَعَلَى ذَلِكَ قَالُوا: إِذَا اسْتَقْرَضَ صَبِيٌّ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ شَيْئًا فَاسْتَهْلَكَهُ الصَّبِيُّ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ، فَإِنْ تَلِفَ الشَّيْءُ بِنَفْسِهِ فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ بِالاِتِّفَاقِ، فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُهُ بَاقِيَةً فَلِلْمُقْرِضِ اسْتِرْدَادُهَا (3) ، وَهَذَا الْحُكْمُ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ اقْتِرَاضِ الْمَحْجُورِ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ، وَجَاءَ فِي جَامِعِ أَحْكَامِ الصِّغَارِ لِلأُْسْرُوشَنِيِّ: اسْتِقْرَاضُ الأَْبِ لاِبْنِهِ الصَّغِيرِ يَجُوزُ، وَكَذَا اسْتِقْرَاضُ الْوَصِيِّ لِلصَّغِيرِ، فَقَدْ ذُكِرَ فِي رَهْنِ " الْهِدَايَةِ ": وَلَوِ اسْتَدَانَ الْوَصِيُّ لِلْيَتِيمِ فِي كِسْوَتِهِ وَطَعَامِهِ وَرَهَنَ بِهِ مَتَاعًا لِلْيَتِيمِ
__________
(1) حاشية الشهاب الرملي على أسنى المطالب 2 / 140، ونهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي عليه 4 / 220.
(2) كشاف القناع 3 / 300، وانظر شرح منتهى الإرادات 2 / 225.
(3) رد المحتار 4 / 174 (ط. بولاق سنة 1272 هـ) ، وانظر مرشد الحيران (م 809) .
جَازَ؛ لأَِنَّ الاِسْتِدَانَةَ جَائِزَةٌ لِلْحَاجَةِ، وَالرَّهْنُ يَقَعُ إِيفَاءً لِلْحَقِّ، فَيَجُوزُ (1) .

الاِقْتِرَاضُ عَلَى بَيْتِ الْمَال وَالْوَقْفِ:
12 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ الاِسْتِقْرَاضُ عَلَى بَيْتِ الْمَال وَقْتَ الأَْزَمَاتِ وَعِنْدَ النَّوَائِبِ وَالْمُلِمَّاتِ لِدَاعِي الضَّرُورَةِ أَوِ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ، قَال إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيُّ: وَمَا ذَكَرَهُ الأَْوَّلُونَ مِنِ اسْتِسْلاَفِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ مَسِيسِ الْحَاجَاتِ وَاسْتِعْجَالِهِ الزَّكَوَاتِ، فَلَسْتُ أُنْكِرُ جَوَازَ ذَلِكَ، وَلَكِنِّي أُجَوِّزُ الاِسْتِقْرَاضَ عِنْدَ اقْتِضَاءِ الْحَال وَانْقِطَاعِ الأَْمْوَال، وَمَصِيرُ الأَْمْرِ إِلَى مُنْتَهًى يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ فِيهِ اسْتِيعَابُ الْحَوَادِثِ لِمَا يَتَجَدَّدُ فِي الاِسْتِقْبَال (2) .
غَيْرَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ قَيَّدُوا ذَلِكَ بِثَلاَثَةِ شُرُوطٍ:
(أَحَدُهَا) أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ إِيرَادٌ مُرْتَجًى لِبَيْتِ الْمَال لِيُوَفَّى مِنْهُ الْقَرْضُ، قَال الشَّاطِبِيُّ: وَالاِسْتِقْرَاضُ فِي الأَْزَمَاتِ إِنَّمَا يَكُونُ حَيْثُ يُرْجَى لِبَيْتِ الْمَال دَخْلٌ يُنْتَظَرُ أَوْ يُرْتَجَى (3) .
(وَالثَّانِي) أَنْ يَكُونَ الاِسْتِقْرَاضُ مِنْ أَجْل
__________
(1) جامع أحكام الصغار 4 / 104 - 105 (ط. بغداد 1983 م) .
(2) غياث الأمم في التياث الظلم تحقيق د. الديب ص 279 (ط. قطر) .
(3) الاعتصام 2 / 122 (ط. دار الفكر بيروت) .

الصفحة 117