كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 33)

مِمَّا لاَ يَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ، كَالْجَوَاهِرِ وَنَحْوِهَا قَوْلاً وَاحِدًا؛ لأَِنَّ قِيمَتَهَا تَتَغَيَّرُ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ بِاعْتِبَارِ قِلَّةِ الرَّاغِبِ وَكَثْرَتِهِ.
أَمَّا مَا يَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ كَالْمَذْرُوعِ وَالْمَعْدُودِ وَالْحَيَوَانِ، فَيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْقَرْضِ لأَِنَّهَا تَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَفِي وَجْهٍ آخَرَ يَجِبُ رَدُّ الْمِثْل صُورَةً؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا فَرَدَّ مِثْلَهُ (1) .
20 - وَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ مِنْ مَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ فِي صِفَةِ بَدَل الْقَرْضِ، إِنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ الْمِثْل أَوِ الْقِيمَةُ لِمَحَل الْقَرْضِ، أَمَّا مِنْ حَيْثُ الْجَوْدَةُ وَالرَّدَاءَةُ فِي الْوَصْفِ، أَوِ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ فِي الْقَدْرِ، فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى أَنَّ الْمُقْتَرِضَ لَوْ قَضَى دَائِنَهُ بِبَدَلٍ خَيْرٍ مِنْهُ فِي الْقَدْرِ أَوِ الصِّفَةِ، أَوْ دُونَهُ، بِرِضَاهُمَا جَازَ مَا دَامَ أَنَّ ذَلِكَ جَرَى مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ أَوْ مُوَاطَأَةٍ (2) ، وَذَلِكَ لِمَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ اسْتَسْلَفَ بَكْرًا، فَرَدَّ خَيْرًا مِنْهُ، وَقَال: إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً (3) ؛ وَلأَِنَّهُ لَمْ
__________
(1) كشاف القناع 3 / 315، والإنصاف 5 / 129، والمغني 4 / 352.
(2) المغني 6 / 438 وما بعدها، وروضة الطالبين 4 / 34، والمبدع 4 / 210، وشرح منتهى الإرادات 2 / 227، والقوانين الفقهية ص 294.
(3) الحديث سبق تخريجه (ف 4) .
تُجْعَل تِلْكَ الزِّيَادَةُ عِوَضًا فِي الْقَرْضِ، وَلاَ وَسِيلَةً إِلَيْهِ، وَلاَ إِلَى اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ، فَحَلَّتْ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ قَرْضٌ، بَل إِنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالشَّافِعِيَّةَ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِي حَقِّ الْمُقْتَرِضِ أَنْ يَرُدَّ أَجْوَدَ مِمَّا أَخَذَ بِغَيْرِ شَرْطٍ، وَأَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ لِلْمُقْرِضِ أَخْذُهُ (1) .
وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى التَّفْصِيل فِي الْمَسْأَلَةِ، فَكَرِهَ أَنْ يَزِيدَ الْمُقْتَرِضُ فِي الْكَمِّ وَالْعَدَدِ إِلاَّ فِي الْيَسِيرِ جِدًّا، وَقَال: إِنَّمَا الإِْحْسَانُ فِي الْقَضَاءِ أَنْ يُعْطِيَهُ أَجْوَدَ عَيْنًا وَأَرْفَعَ صِفَةً، وَأَمَّا أَنْ يَزِيدَهُ فِي الْكَيْل أَوِ الْوَزْنِ أَوِ الْعَدَدِ فَلاَ، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ حِينَ السَّلَفِ (2) .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ الْمَنْعُ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالْفَضْل فِي الْقَرْضِ مُطْلَقًا، وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ الْمُقْرِضَ يَأْخُذُ مِثْل قَرْضِهِ، وَلاَ يَأْخُذُ فَضْلاً؛ لِئَلاَّ يَكُونَ قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً (3) .
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَدِينَ إِذَا قَضَى الدَّيْنَ أَجْوَدَ مِمَّا عَلَيْهِ، فَلاَ يُجْبَرُ رَبُّ الدَّيْنِ عَلَى الْقَبُول، كَمَا لَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ أَنْقَصَ مِمَّا عَلَيْهِ، وَإِنْ قَبِل جَازَ، كَمَا لَوْ أَعْطَاهُ خِلاَفَ الْجِنْسِ. قَال
__________
(1) البدائع 7 / 395، وأسنى المطالب 2 / 143، وروضة الطالبين 4 / 37، وتحفة المحتاج 5 / 47.
(2) القوانين الفقهية ص 294، والكافي لابن عبد البر 358، والبهجة 2 / 288.
(3) المغني 6 / 438، والمبدع 4 / 210.

الصفحة 125