كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 33)

وَقَال: وَأَمَّا السَّلَفُ وَالْبَيْعُ؛ فَلأَِنَّهُ إِذَا أَقْرَضَهُ مِائَةً إِلَى سَنَةٍ، ثُمَّ بَاعَهُ مَا يُسَاوِي خَمْسِينَ بِمِائَةٍ، فَقَدْ جَعَل هَذَا الْبَيْعَ ذَرِيعَةً إِلَى الزِّيَادَةِ فِي الْقَرْضِ الَّذِي مُوجِبُهُ رَدُّ الْمِثْل، وَلَوْلاَ هَذَا الْبَيْعُ لَمَا أَقْرَضَهُ، وَلَوْلاَ عَقْدُ الْقَرْضِ لَمَا اشْتَرَى ذَلِكَ مِنْهُ (1) ، ثُمَّ قَال: وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الرِّبَا (2) .
وَلأَِنَّهُمَا جَعَلاَ رِفْقَ الْقَرْضِ ثَمَنًا، وَالشَّرْطُ لَغْوٌ، فَيَسْقُطُ بِسُقُوطِهِ بَعْضُ الثَّمَنِ، وَيَصِيرُ الْبَاقِي مَجْهُولاً، قَال الْخَطَّابِيُّ: وَذَلِكَ فَاسِدٌ؛ لأَِنَّهُ إِنَّمَا يُقْرِضُهُ عَلَى أَنْ يُحَابِيَهُ فِي الثَّمَنِ، فَيَدْخُل الثَّمَنُ فِي حَدِّ الْجَهَالَةِ (3) .
وَلأَِنَّهُ شَرَطَ عَقْدًا فِي عَقْدٍ فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ دَارَهُ بِشَرْطِ أَنْ يَبِيعَهُ الآْخَرُ دَارَهُ، وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يُؤَجِّرَهُ دَارَهُ بِأَقَل مِنْ أُجْرَتِهَا، أَوْ عَلَى أَنْ يَسْتَأْجِرَ دَارَ الْمُقْرِضِ بِأَكْثَرَ مِنْ أُجْرَتِهَا كَانَ أَبْلَغَ فِي التَّحْرِيمِ (4) .
وَلأَِنَّ الْقَرْضَ لَيْسَ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ عُقُودِ الْبِرِّ وَالْمُكَارَمَةِ، فَلاَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ عِوَضٌ، فَإِنْ قَارَنَ الْقَرْضَ عَقْدُ
__________
(1) تهذيب ابن القيم لمختصر سنن أبي داود للمنذري 5 / 149.
(2) إعلام الموقعين عن رب العالمين 3 / 153 مط السعادة بمصر.
(3) معالم السنن للخطابي 5 / 144 (مطبوع مع مختصر سنن أبي داود للمنذري) .
(4) المغني 6 / 437.
مُعَاوَضَةٍ كَانَ لَهُ حِصَّةٌ مِنَ الْعِوَضِ، فَخَرَجَ عَنْ مُقْتَضَاهُ، فَبَطَل وَبَطَل مَا قَارَنَهُ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ، وَوَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْقَرْضُ غَيْرَ مُؤَقَّتٍ فَهُوَ غَيْرُ لاَزِمٍ لِلْمُقْرِضِ، وَالْبَيْعُ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْعُقُودِ اللاَّزِمَةِ - كَالإِْجَارَةِ وَالنِّكَاحِ - لاَ يَجُوزُ أَنْ يُقَارِنَهَا عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ، لِتَنَافِي حُكْمَيْهِمَا (1) .
33 - وَقَدْ ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَسْأَلَةً تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ، وَهِيَ شِرَاءُ الْمُقْتَرِضِ الشَّيْءَ الْيَسِيرَ مِنَ الْمُقْرِضِ بِثَمَنٍ غَالٍ لِحَاجَتِهِ لِلْقَرْضِ، وَقَالُوا: يَجُوزُ وَيُكْرَهُ، وَقَدْ عَلَّقَ الْعَلاَّمَةُ ابْنُ عَابِدِينَ عَلَى ذَلِكَ فَقَال: أَيْ يَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَهَذَا لَوْ وَقَعَ الشِّرَاءُ بَعْدَ الْقَرْضِ، لِمَا فِي الذَّخِيرَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ النَّفْعُ مَشْرُوطًا فِي الْقَرْضِ، وَلَكِنِ اشْتَرَى الْمُسْتَقْرِضُ مِنَ الْمُقْرِضِ بَعْدَ الْقَرْضِ مَتَاعًا بِثَمَنٍ غَالٍ.
فَعَلَى قَوْل الْكَرْخِيِّ: لاَ بَأْسَ بِهِ، وَقَال الْخَصَّافُ: مَا أُحِبُّ لَهُ ذَلِكَ، وَذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ: إِنَّهُ حَرَامٌ؛ لأَِنَّهُ يَقُول لَوْ لَمْ أَكُنِ اشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ طَالَبَنِي بِالْقَرْضِ فِي الْحَال، وَمُحَمَّدٌ لَمْ يَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا، وَقَال خُوَاهَرْ زَادَهْ: مَا نُقِل عَنِ السَّلَفِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ مَشْرُوطَةً، وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ بِلاَ خِلاَفٍ، وَمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَتْ غَيْرَ مَشْرُوطَةٍ،
__________
(1) المنتقى شرح الموطأ للباجي 5 / 29.

الصفحة 134