كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 33)

بِرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَسْمِهِ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ وَعَدْلِهِ بَيْنَهُنَّ فَقَدْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى غَايَةٍ مِنَ الْعَدْل فِي ذَلِكَ، قَال الشَّافِعِيُّ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْسِمُ فَيَعْدِل (1) . . . وَأَنَّهُ كَانَ يُطَافُ بِهِ مَحْمُولاً فِي مَرَضِهِ عَلَى نِسَائِهِ حَتَّى حَلَلْنَهُ (2) .
وَقَالُوا: أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ زَوْجَةٍ فَبَاتَ عِنْدَ وَاحِدَةٍ لَزِمَهُ الْمَبِيتُ عِنْدَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُنَّ. . تَسْوِيَةً بَيْنَهُنَّ.
وَصَرَّحَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ لُزُومَ الْمَبِيتِ عِنْدَ بَقِيَّةِ الزَّوْجَاتِ إِنْ بَاتَ عِنْدَ إِحْدَاهُنَّ يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ، لأَِنَّهُ حَقٌّ لَزِمَ وَهُوَ مُعَرَّضٌ لِلسُّقُوطِ بِالْمَوْتِ، فَوَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ الْخُرُوجُ مِنْهُ مَا أَمْكَنَهُ، وَيَعْصِي بِتَأْخِيرِهِ.
وَعَقَّبَ عَلَيْهِ الشَّبْرَامِلْسِيُّ - الشَّافِعِيُّ - بِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ كَانَ كَبِيرَةً أَخْذًا مِنَ الْخَبَرِ السَّابِقِ (3) .
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الزَّوْجِ إِذَا كَانَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ زَوْجَةٍ هُوَ الْعَدْل
__________
(1) حديث عدله صلى الله عليه وسلم في القسمة. أخرجه أبو داود (2 / 601) ، والحاكم (2 / 186) من حديث عائشة وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(2) حديث أنه " كان يطوف به محمولاً في مرضه. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 9 / 317) ، ومسلم (4 / 1893) من حديث عائشة.
(3) فتح القدير 3 / 300، والاختيار 3 / 116، وشرح الزرقاني 4 / 55، ونهاية المحتاج 6 / 372، وحاشية القليوبي 3 / 299 - 300، وكشاف القناع 5 / 198 - 200، والمغني 7 / 28.
بَيْنَهُنَّ فِي الْقَسْمِ إِنْ قَسَمَ، وَلَهُ أَنْ يُعْرِضَ عَنْهُنَّ جَمِيعًا إِلاَّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لاَ يُعَطِّلَهُنَّ، وَاسْتَثْنَوْا مِنْ جَوَازِ الإِْعْرَاضِ عَنِ الزَّوْجَاتِ ابْتِدَاءً أَوْ بَعْدَ نَوْبَةٍ أَوْ أَكْثَرَ مَا لَوْ حَدَثَ مَا يَمْنَعُ هَذَا الإِْعْرَاضَ، كَأَنْ ظَلَمَهَا ثُمَّ بَانَتْ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ عَلَى الرَّاجِحِ بِطَرِيقِهِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ عَوْدُهَا إِلَى عِصْمَتِهِ (1) .

مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الْعَدْل فِي الْقَسْمِ:
6 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ الْعَدْل بَيْنَ زَوْجَتَيْهِ أَوْ زَوْجَاتِهِ فِي حُقُوقِهِنَّ مِنَ الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَالسُّكْنَى، وَهُوَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ فِي ذَلِكَ، وَالأَْصْل فِيهِ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةٌ} عَقِيبَ قَوْله تَعَالَى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} (2) ، نَدَبَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى نِكَاحِ الْوَاحِدَةِ عِنْدَ خَوْفِ تَرْكِ الْعَدْل فِي الزِّيَادَةِ، وَإِنَّمَا يُخَافُ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ، فَدَل عَلَى أَنَّ الْعَدْل بَيْنَهُنَّ فِي الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ وَاجِبٌ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي آخِرِ الآْيَةِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَل: {ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا} (3) ، أَيْ تَجُورُوا، وَالْجَوْرُ حَرَامٌ فَكَانَ الْعَدْل وَاجِبًا ضَرُورَةً؛ وَلأَِنَّ الْعَدْل
__________
(1) نهاية المحتاج 6 / 373، ومغني المحتاج 3 / 251، والمهذب 2 / 67.
(2) سورة النساء / 3.
(3) سورة النساء / 3.

الصفحة 184