كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 33)

مَأْمُورٌ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْل وَالإِْحْسَانِ} (1) عَلَى الْعُمُومِ وَالإِْطْلاَقِ إِلاَّ مَا خُصَّ أَوْ قُيِّدَ بِدَلِيلٍ؛ وَلأَِنَّ النِّسَاءَ رَعِيَّةُ الزَّوْجِ، فَإِنَّهُ يَحْفَظُهُنَّ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِنَّ، وَكُل رَاعٍ مَأْمُورٌ بِالْعَدْل فِي رَعِيَّتِهِ.
وَالْعَدْل الْوَاجِبُ فِي الْقَسْمِ يَكُونُ فِيمَا يَمْلِكُهُ الزَّوْجُ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الْبَيْتُوتَةِ وَالتَّأْنِيسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَمَّا مَا لاَ يَمْلِكُهُ الزَّوْجُ وَلاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ كَالْوَطْءِ وَدَوَاعِيهِ، وَكَالْمَيْل الْقَلْبِيِّ وَالْمَحَبَّةِ. . فَإِنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ الْعَدْل بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى النَّشَاطِ لِلْجِمَاعِ أَوْ دَوَاعِيهِ وَالشَّهْوَةِ، وَهُوَ مَا لاَ يَمْلِكُ تَوْجِيهَهُ وَلاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَيْل الْقَلْبِيِّ وَالْحُبِّ فِي الْقُلُوبِ وَالنُّفُوسِ فَهُوَ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَوْجِيهِهِ، وَقَدْ قَال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} (2) يَعْنِي فِي الْحُبِّ وَالْجِمَاعِ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: كَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ وَيَعْدِل ثُمَّ يَقُول: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلاَ تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلاَ أَمْلِكُ (3) يَعْنِي الْمَحَبَّةَ وَمَيْل
__________
(1) سورة النحل / 90.
(2) سورة النساء / 129.
(3) حديث: " اللهم هذا قسمي فيما أملك. . ". أخرجه أبو داود (2 / 601) والنسائي (7 / 64) من حديث عائشة وأعله النسائي بالإرسال.
الْقَلْبِ؛ لأَِنَّ الْقُلُوبَ بِيَدِ اللَّهِ تَعَالَى يُصَرِّفُهَا كَيْفَ شَاءَ (1) .
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلزَّوْجِ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ فِي جَمِيعِ الاِسْتِمْتَاعَاتِ مِنَ الْوَطْءِ وَالْقُبْلَةِ وَنَحْوِهِمَا لأَِنَّهُ أَكْمَل فِي الْعَدْل بَيْنَهُنَّ، وَلِيُحْصِنَهُنَّ عَنِ الاِشْتِهَاءِ لِلزِّنَا وَالْمَيْل إِلَى الْفَاحِشَةِ، وَاقْتِدَاءً فِي الْعَدْل بَيْنَهُنَّ بِرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2) ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يُسَوِّي بَيْنَ نِسَائِهِ حَتَّى فِي الْقُبَل (3) .
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ يُتْرَكُ فِي الْوَطْءِ لِطَبِيعَتِهِ فِي كُل حَالٍ إِلاَّ لِقَصْدِ إِضْرَارٍ لإِِحْدَى الزَّوْجَاتِ بِعَدَمِ الْوَطْءِ - سَوَاءٌ تَضَرَّرَتْ بِالْفِعْل أَمْ لاَ - كَكَفِّهِ عَنْ وَطْئِهَا مَعَ مَيْل طَبْعِهِ إِلَيْهِ وَهُوَ عِنْدَهَا لِتَتَوَفَّرَ لَذَّتُهُ لِزَوْجَتِهِ الأُْخْرَى، فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ الْكَفِّ؛ لأَِنَّهُ إِضْرَارٌ لاَ يَحِل (4) .
وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ بَعْضِ أَهْل الْعِلْمِ أَنَّ الزَّوْجَ إِنْ تَرَكَ الْوَطْءَ لِعَدَمِ الدَّاعِيَةِ وَالاِنْتِشَارِ عُذْرٌ، وَإِنْ تَرَكَهُ مَعَ الدَّاعِيَةِ إِلَيْهِ لَكِنَّ دَاعِيَتَهُ إِلَى الضَّرَّةِ أَقْوَى فَهُوَ مِمَّا يَدْخُل
__________
(1) بدائع الصنائع 2 / 332، والمبسوط 5 / 217، وأسنى المطالب 3 / 329، وحاشية الجمل 4 / 280، وشرح الزرقاني 4 / 55، والمغني 7 / 27.
(2) رد المحتار 2 / 398، والمهذب 2 / 68، والمغني 7 / 35.
(3) حديث: " كان يسوي بين نسائه حتى في القبل " أورده ابن قدامة في المغني (7 / 35) ولم نهتد إليه في المراجع التي بين أيدينا.
(4) جواهر الإكليل 1 / 326.

الصفحة 185