كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 33)

وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَقَوْلُهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَفِعْلُهُ وَتَقْرِيرُهُ:
فَمِنْ قَوْلِهِ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِذَا قُسِّمَتِ الأَْرْضُ وَحُدَّتْ، فَلاَ شُفْعَةَ فِيهَا (1) ، وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشُّفْعَةِ فِي كُل مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ، وَصُرِفَتِ الطُّرُقُ، فَلاَ شُفْعَةَ (2) .
وَمِنْ فِعْلِهِ: أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْسِمُ الْغَنَائِمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ (3) ، وَفِي حَدِيثِ سَهْل بْنِ أَبِي حَثْمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَسَمَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ نِصْفَيْنِ: نِصْفًا لِنَوَائِبِهِ وَحَاجَاتِهِ، وَنِصْفًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، قَسَمَهَا بَيْنَهُمْ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا (4) .
وَأَمَّا تَقْرِيرُهُ: فَلاَ شَكَّ أَنَّ قِسْمَةَ الْمَوَارِيثِ وَغَيْرِهَا كَانَتْ تَقَعُ عَلَى عَهْدِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، فَيُسَدِّدُ وَلاَ يُنْكِرُ.
وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ: فَقَدْ كَانَ النَّاسُ - وَمَا زَالُوا -
__________
(1) حديث: " إذا قسمت الأرض وحدت. . . " أخرجه أبو داود (3 / 785) من حديث أبي هريرة، وقال الشوكاني في نيل الأوطار (5 / 331) : رجال إسناده ثقات.
(2) حديث جابر: " قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 436) .
(3) حديث: أنه صلى الله عليه وسلم " كان يقسم الغنائم. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 8 / 53) من حديث أنس.
(4) حديث سهل بن أبي حثمة: " قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر نصفين. . . " أخرجه أبو داود (3 / 410) ونقل الزيلعي في نصب الراية (3 / 397) قول صاحب التنقيح: إسناده جيد.
مُنْذُ عَهْدِ رَسُول اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَوْمِنَا هَذَا يَتَعَامَلُونَ بِالْقِسْمَةِ فِي الْمَوَارِيثِ وَفِي غَيْرِ الْمَوَارِيثِ، دُونَ نَكِيرٍ مِنْ أَحَدٍ. قَال صَاحِبُ الْبَدَائِعِ: فَكَانَتْ شَرْعِيَّتُهَا مُتَوَارَثَةً (1) .
وَيَقُول الْفُقَهَاءُ: إِنَّ الْقِسْمَةَ تُوَفِّرُ عَلَى كُل شَرِيكٍ مَصْلَحَتَهُ كَامِلَةً، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى: إِنَّهَا لِتَكْمِيل نَفْعِ الشَّرِيكِ (2)
تَكْيِيفُ الْقِسْمَةِ:
6 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْقِسْمَةِ هَل هِيَ بَيْعٌ أَمْ مَحْضُ تَمْيِيزِ حُقُوقٍ؟ يَذْهَبُ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ مَذَاهِبَ أَرْبَعَةً:

الْمَذْهَبُ الأَْوَّل:
أَنَّهَا بَيْعٌ بِإِطْلاَقٍ، وَعَلَيْهِ مَالِكٌ وَبَعْضُ أَصْحَابِهِ، لَكِنَّهُ خِلاَفُ الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ (3) ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَصَحَّحَهُ جَمْعٌ مِنْ قُدَامَى أَصْحَابِهِمْ، وَالرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ (4) ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (5) .
وَقَالُوا: إِنَّ كُل جُزْءٍ مِنَ الْمَال مُشْتَرَكٌ بَيْنَ
__________
(1) البدائع 7 / 17. ورد المحتار 5 / 166، وتكملة فتح القدير 8 / 248، ومغني المحتاج 4 / 418، والمغني لابن قدامة 11 / 448.
(2) بدائع الصنائع 7 / 17، ومغني المحتاج 4 / 418، وقواعد ابن رجب ص 144.
(3) التحفة وحواشيها 2 / 68، والفواكه الدواني 2 / 327.
(4) مغني المحتاج 4 / 424، ونهاية المحتاج 8 / 275.
(5) منتهى الإرادات 2 / 618، والإنصاف 11 / 347.

الصفحة 207