كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 33)
الشَّارِعِ الاِهْتِمَامُ بِتَكْلِيفِ الْخَلْقِ إِيقَاعَهَا عِبَادَةً.
وَمِنَ الْقُرَبِ الْوَاجِبَةِ الْقُرَبُ الَّتِي يُلْزِمُ الإِْنْسَانُ بِهَا نَفْسَهُ بِالنَّذْرِ (1) .
وَمِنْهَا مَا هُوَ مَنْدُوبٌ، كَالنَّوَافِل وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْوَقْفِ وَالْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ (2) .
وَمِنْهَا مَا هُوَ مُبَاحٌ، إِذْ أَنَّ الْمُبَاحَاتِ تَكُونُ قُرْبَةً بِنِيَّةِ إِرَادَةِ الثَّوَابِ بِهَا، كَالأَْفْعَال الْعَادِيَّةِ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الْقُرْبَةُ، كَالطَّعَامِ بِنِيَّةِ التَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَةِ (3) .
وَمِنَ الْقُرُبَاتِ مَا هُوَ حَرَامٌ، وَذَلِكَ كَالْقُرُبَاتِ الْمَالِيَّةِ، كَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ إِذَا فَعَلَهَا الإِْنْسَانُ وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ كَانَ عِنْدَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِمَّا لاَ يَفْضُل عَنْ حَاجَتِهِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ حَقٌّ وَاجِبٌ فَلاَ يَحِل تَرْكُهُ لِسُنَّةٍ (4) .
وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ قُرْبَةٌ، فَقَدْ أَنْكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْتِزَامَهُ قِيَامَ اللَّيْل وَصِيَامَ النَّهَارِ وَاجْتِنَابَ النِّسَاءِ، وَقَال لَهُ: {
__________
(1) حاشية ابن عابدين 1 / 72، والبدائع 5 / 82، والاختيار 4 / 76، وروضة الطالبين 3 / 301، والفروق 1 / 130.
(2) حاشية ابن عابدين 1 / 72، والمنثور في القواعد 3 / 61، والحطاب 2 / 545.
(3) المنثور في القواعد 3 / 287، والأشباه لابن نجيم ص 24.
(4) المنثور 3 / 278.
أَرَغِبْتَ عَنْ سُنَّتِي؟ فَقَال: لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُول اللَّهِ، لَكِنْ سُنَّتَكَ أَطْلُبُ. قَال: فَإِنِّي أَنَامُ وَأُصَلِّي وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَنْكِحُ النِّسَاءَ (1) ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا عَزَمَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سَرْدِ الصَّوْمِ وَقِيَامِ اللَّيْل وَالاِخْتِصَاءِ، وَكَانُوا قَدْ حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمُ الْفِطْرَ وَالنَّوْمَ ظَنًّا أَنَّهُ قُرْبَةٌ إِلَى رَبِّهِمْ فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ غُلُوٌّ فِي الدِّينِ وَاعْتِدَاءٌ عَلَى مَا شَرَعَ (2) ، فَقَال تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَل اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (3) .
وَقَدْ تَكُونُ الْقُرْبَةُ مَكْرُوهَةً، وَذَلِكَ كَالتَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ مَا يَمْلِكُ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ مَشَقَّةٌ لاَ يَصْبِرُ عَلَيْهَا، وَكَالْوَصِيَّةِ مِنَ الْفَقِيرِ الَّذِي لَهُ وَرَثَةٌ (4)
مَنْ تَصِحُّ مِنْهُ الْقُرْبَةُ:
5 - الْقُرُبَاتُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ عِبَادَةً كَالصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ، أَوْ غَيْرَ عِبَادَةٍ كَالتَّبَرُّعَاتِ مِنْ صَدَقَةٍ وَوَصِيَّةٍ وَوَقْفٍ.
فَإِنْ كَانَتِ الْقُرُبَاتُ مِنَ الْعِبَادَاتِ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيمَنْ تَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، فَلاَ
__________
(1) حديث: " أرغبت عن سنتي؟ . . . " أخرجه أبو داود (2 / 101) .
(2) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 2 / 174.
(3) سورة المائدة / 87.
(4) مغني المحتاج 3 / 122، وشرح منتهى الإرادات 2 / 540.
الصفحة 94