كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 33)

الإِْنْسَانُ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا تَمَيَّزَ لِلَّهِ بِصُورَتِهِ، فَهَذَا يُثَابُ عَلَيْهِ مَهْمَا قَصَدَ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ الْقُرْبَةَ كَالْمَعْرِفَةِ وَالإِْيمَانِ وَالأَْذَانِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَمْ يَتَمَيَّزْ مِنَ الطَّاعَاتِ لِلَّهِ بِصُورَتِهِ، فَهَذَا لاَ يُثَابُ عَلَيْهِ إِلاَّ بِنِيَّتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: نِيَّةُ إِيجَادِ الْفِعْل، وَالثَّانِيَةُ: نِيَّةُ التَّقَرُّبِ بِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ جَل، فَإِنْ تَجَرَّدَ عَنْ نِيَّةِ التَّقَرُّبِ أُثِيبَ عَلَى أَجْزَائِهِ الَّتِي لاَ تَقِفُ عَلَى نِيَّةِ الْقُرْبَةِ كَالتَّسْبِيحَاتِ وَالتَّكْبِيرَاتِ وَالتَّهْلِيلاَتِ الْوَاقِعَةِ فِي الصَّلَوَاتِ الْفَاسِدَةِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا شُرِعَ لِلْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَلاَ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَصَالِحُ الأُْخْرَوِيَّةُ إِلاَّ تَبَعًا، كَإِقْبَاضِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ، وَفُرُوضِ الْكِفَايَاتِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا الْمَصَالِحُ الدُّنْيَوِيَّةُ كَالصَّنَائِعِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا بَقَاءُ الْعَالَمِ، فَهَذَا لاَ يُؤْجَرُ عَلَيْهِ إِذَا قَصَدَ إِلَيْهِ إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الْقُرْبَةَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ جَل (1) .
وَقَدْ يَقُومُ الإِْنْسَانُ بِعَمَلٍ وَيَسْتَوْفِي شُرُوطَهُ وَأَرْكَانَهُ، وَلَكِنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ ثَوَابًا لِمَا يَقْتَرِنُ بِهِ مِنَ الْمَقَاصِدِ وَالنَّوَايَا، وَلِذَلِكَ يَقُول النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِكُل امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ
__________
(1) قواعد الأحكام 1 / 149 ط. دار الكتب العلمية بيروت.
فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ (1) .
كَمَا قَدْ يُتْبِعُ الإِْنْسَانُ الْعَمَل الصَّحِيحَ بِمَا يُضَيِّعُ ثَوَابَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ الْمَنُّ وَالأَْذَى يُبْطِل ثَوَابَ الصَّدَقَةِ (2) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَْذَى} (3) .
وَقَدْ يَعْمَل الإِْنْسَانُ الْعَمَل فَيُثَابُ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَقَعِ الْمَوْقِعَ الصَّحِيحَ، فَقَدْ وَرَدَ حَدِيثَانِ يُؤَيِّدَانِ هَذَا الْمَعْنَى، أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ الْمُتَصَدِّقِ الَّذِي وَقَعَتْ صَدَقَتُهُ فِي يَدِ سَارِقٍ وَزَانِيَةٍ وَغَنِيٍّ وَفِي نِهَايَةِ الْحَدِيثِ أَنَّ الرَّجُل أُتِيَ فَقِيل لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَعْتَبِرَ فَيُنْفِقَ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ (4) .
وَالْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ الَّذِي أَخَذَ صَدَقَةَ أَبِيهِ مِنَ الرَّجُل الَّذِي
__________
(1) حديث: " إنما الأعمال بالنية. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 9) ، ومسلم (3 / 1515 - 1516) من حديث عمر بن الخطاب، واللفظ لمسلم.
(2) الموافقات للشاطبي 1 / 292، وفتح الباري 3 / 277.
(3) سورة البقرة / 264.
(4) حديث: " المتصدق الذي وقعت صدقته في يد سارق وزانية وغني. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 3 / 290) .

الصفحة 98