كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 33)
وُضِعَتْ عِنْدَهُ، وَقَال لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ (1) ، قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّ نِيَّةَ الْمُتَصَدِّقِ إِذَا كَانَتْ صَالِحَةً قُبِلَتْ صَدَقَتُهُ وَإِنْ لَمْ تَقَعِ الْمَوْقِعَ (2) .
نَقْل ثَوَابِ الْقُرْبَةِ لِلْغَيْرِ:
9 - تَنْقَسِمُ الْقُرُبَاتُ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ حَجَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ فِي ثَوَابِهِ، وَلَمْ يَجْعَل لَهُمْ نَقْلَهُ لِغَيْرِهِمْ، كَالإِْيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ، فَلَوْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَهَبَ قَرِيبَهُ الْكَافِرَ إِيمَانَهُ لِيَدْخُل الْجَنَّةَ دُونَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ هِبَةُ ثَوَابِ مَا سَبَقَ مَعَ بَقَاءِ الأَْصْل، لاَ سَبِيل إِلَيْهِ.
وَقِسْمٌ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَذِنَ فِي نَقْل ثَوَابِهِ، وَهُوَ الْقُرُبَاتُ الْمَالِيَّةُ كَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ.
وَقِسْمٌ اخْتُلِفَ فِيهِ (3) ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ نَقْل ثَوَابِ مَا أَتَى بِهِ الإِْنْسَانُ مِنَ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِهِ مِنَ الأَْحْيَاءِ وَالأَْمْوَاتِ، يَقُول الْكَاسَانِيُّ: مَنْ صَامَ أَوْ صَلَّى أَوْ تَصَدَّقَ جَعَل ثَوَابَهُ لِغَيْرِهِ مِنَ الأَْمْوَاتِ وَالأَْحْيَاءِ جَازَ، وَيَصِل ثَوَابُهُ إِلَيْهِمْ عِنْدَ أَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَقَدْ وَرَدَ " عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {
__________
(1) حديث " معن بن يزيد الذي أخذ صدقة أبيه. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 3 / 291) .
(2) فتح الباري 3 / 290 - 291.
(3) الفروق للقرافي 3 / 192، ومنح الجليل 1 / 306.
أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ اشْتَرَى كَبْشَيْنِ عَظِيمَيْنِ سَمِينَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ، فَيَذْبَحَ أَحَدَهُمَا عَنْ أُمَّتِهِ مِمَّنْ شَهِدَ بِالتَّوْحِيدِ وَشَهِدَ لَهُ بِالْبَلاَغِ، وَذَبَحَ الآْخَرَ عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآل مُحَمَّدٍ (1)
وَوَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَجُلاً قَال لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَال: نَعَمْ، تَصَدَّقْ عَنْهَا (2) .
قَال الْكَاسَانِيُّ: وَعَلَى ذَلِكَ عَمَل الْمُسْلِمِينَ مِنْ لَدُنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، مِنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَيْهَا، وَالتَّكْفِينِ وَالصَّدَقَاتِ وَالصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ، وَجَعْل ثَوَابِهَا لِلأَْمْوَاتِ (3) .
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: أَيَّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا الإِْنْسَانُ وَجَعَل ثَوَابَهَا لِلْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ نَفَعَهُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: كَالدُّعَاءِ وَالاِسْتِغْفَارِ، وَالصَّدَقَةِ وَالْوَاجِبَاتِ الَّتِي تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ (4) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لاَ يَجُوزُ نَقْل ثَوَابِ الصَّلاَةِ
__________
(1) حديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " كان إذا أراد أن يضحي. . . " أخرجه أحمد (6 / 225) من حديث عائشة.
(2) حديث: عائشة " أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 5 / 388 - 389) ومعنى افتلتت في الحديث: ماتت فجأة.
(3) بدائع الصنائع 2 / 212.
(4) المغني لابن قدامة 2 / 567 - 568 - 569، وشرح منتهى الإرادات 1 / 362.
الصفحة 99