كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 34)
لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِْسْلاَمَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ (1) .
لَكِنْ ذَكَرَ الأَْكْمَل فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْحَرْبِيَّ تَحْبَطُ ذُنُوبُهُ كُلُّهَا بِالإِْسْلاَمِ وَالْهِجْرَةِ وَالْحَجِّ حَتَّى لَوْ قَتَل وَأَخَذَ الْمَال وَأَحْرَزَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يُؤَاخَذْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا كَانَ الإِْسْلاَمُ كَافِيًا فِي تَحْصِيل مُرَادِهِ وَلَكِنْ ذَكَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْهِجْرَةَ وَالْحَجَّ تَأْكِيدًا فِي بِشَارَتِهِ وَتَرْغِيبًا فِي مُبَايَعَتِهِ فَإِنَّ الْهِجْرَةَ وَالْحَجَّ لاَ يُكَفِّرَانِ الْمَظَالِمَ وَلاَ يُقْطَعُ فِيهِمَا بِمَحْوِ الْكَبَائِرِ وَإِنَّمَا يُكَفِّرَانِ الصَّغَائِرَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَال وَالْكَبَائِرَ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ حُقُوقِ أَحَدٍ كَإِسْلاَمِ الذِّمِّيِّ، وَكَذَا ذَكَرَ الإِْمَامُ الطِّيبِيُّ فِي شَرْحِهِ وَقَال: إِنَّ الشَّارِحِينَ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ وَالْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَفِي شَرْحِ اللُّبَابِ: وَمَشَى الطِّيبِيُّ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ الْكَبَائِرَ وَالْمَظَالِمَ، وَوَقَعَ مُنَازَعَةٌ غَرِيبَةٌ بَيْنَ أَمِيرِ بَادْشَاهْ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ مَال إِلَى قَوْل الطِّيبِيِّ، وَبَيْنَ الشَّيْخِ ابْنِ حَجَرٍ الْمَكِّيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَقَدْ مَال إِلَى قَوْل الْجُمْهُورِ، وَكَتَبْتُ رِسَالَةً فِي بَيَانِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَظَاهِرُ كَلاَمِ الْفَتْحِ الْمَيْل إِلَى تَكْفِيرِ الْمَظَالِمِ أَيْضًا، وَعَلَيْهِ مَشَى الإِْمَامُ السَّرَخْسِيُّ فِي
__________
(1) حديث: " أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله. . . ". أخرجه مسلم (1 / 112) .
شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقُرْطُبِيُّ.
وَقَال عِيَاضٌ: هُوَ مَحْمُولٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَظَالِمِ عَلَى مَنْ تَابَ وَعَجَزَ عَنْ وَفَائِهَا، وَالْحَاصِل أَنَّ تَأْخِيرَ الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ، وَتَأْخِيرَ نَحْوِ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مِنْ حُقُوقِهِ تَعَالَى، فَيَسْقُطُ إِثْمُ التَّأْخِيرِ فَقَطْ عَمَّا مَضَى دُونَ الأَْصْل وَدُونَ التَّأْخِيرِ الْمُسْتَقْبَل، وَنَقَلَهُ عَنِ التِّرْمِذِيِّ وَاللَّقَانِيِّ، وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَابِدِينَ سُقُوطَ الدَّيْنِ أَيْضًا عِنْدَ الْعَجْزِ كَمَا قَال عِيَاضٌ لَكِنَّ تَقْيِيدَ عِيَاضٍ بِالتَّوْبَةِ وَالْعَجْزِ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لأَِنَّ التَّوْبَةَ مُكَفِّرَةٌ بِنَفْسِهَا، وَهِيَ إِنَّمَا تُسْقِطُ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى لاَ حَقَّ الْعَبْدِ، فَتَعَيَّنَ كَوْنُ الْمُسْقِطِ هُوَ الْحَجَّ كَمَا اقْتَضَتْهُ الأَْحَادِيثُ (1) .
قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْحَجَّ لاَ يُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ، وَلَيْسَ مُرَادُ الْقَائِل بِأَنَّهُ يُكَفِّرُهَا أَنَّهُ يُسْقِطُ عَنْهُ قَضَاءَ مَا لَزِمَهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَتَرَكَهُ وَالْمَظَالِمَ وَالدَّيْنَ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّهُ يُكَفِّرُ إِثْمَ تَأْخِيرِ ذَلِكَ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ طُولِبَ بِقَضَاءِ مَا لَزِمَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَل مَعَ قُدْرَتِهِ فَقَدِ ارْتَكَبَ الآْنَ الْكَبِيرَةَ الأُْخْرَى (2) ، وَالْمَسْأَلَةُ ظَنِّيَّةٌ، فَلاَ يُقْطَعُ بِتَكْفِيرِ الْحَجِّ لِلْكَبَائِرِ مِنْ حُقُوقِهِ تَعَالَى، فَضْلاً عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ (3) .
__________
(1) حاشية ابن عابدين 2 / 622 - 623.
(2) رسالة الصغائر والكبائر لابن نجيم بشرح السيواسي 54.
(3) حاشية ابن عابدين (2 / 624) نقلاً عن البحر الرائق.
الصفحة 163