كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 34)
الْمُهْلِكَاتِ، وَمُدَاوَاتُهُ فَرْضُ عَيْنٍ، وَلَكَ فِي مُعَالَجَتِهِ مَقَامَانِ:
الأَْوَّل: فِي اسْتِئْصَال أَصْلِهِ وَقَطْعِ شَجَرَتِهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَعْرِفَ الإِْنْسَانُ نَفْسَهُ، وَيَعْرِفَ رَبَّهُ، فَإِنَّهُ إِنْ عَرَفَ نَفْسَهُ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ، عَلِمَ أَنَّهُ أَذَل مِنْ كُل ذَلِيلٍ، وَيَكْفِيهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي أَصْل وُجُودِهِ بَعْدَ الْعَدَمِ مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ خَرَجَتْ مِنْ مَخْرَجِ الْبَوْل، ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ، فَقَدْ صَارَ شَيْئًا مَذْكُورًا بَعْدَ أَنْ كَانَ جَمَادًا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُحِسُّ وَلاَ يَتَحَرَّكُ، فَقَدِ ابْتَدَأَ بِمَوْتِهِ قَبْل حَيَاتِهِ، وَبِضَعْفِهِ قَبْل قُوَّتِهِ، وَبِفَقْرِهِ قَبْل غِنَاهُ، وَقَدْ أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى هَذِهِ بِقَوْلِهِ: {مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيل يَسَّرَهُ} وَبِقَوْلِهِ: {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} فَأَحْيَاهُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَحْسَنَ تَصْوِيرَهُ، وَأَخْرَجَهُ إِلَى الدُّنْيَا فَأَشْبَعَهُ وَأَرْوَاهُ، وَكَسَاهُ وَهَدَاهُ وَقَوَّاهُ، فَمَنْ هَذِهِ بِدَايَتُهُ فَأَيْ وَجْهٍ لِكِبْرِهِ وَفَخْرِهِ؟ ،،.
عَلَى أَنَّهُ لَوْ دَامَ لَهُ الْوُجُودُ عَلَى اخْتِيَارِهِ لَكَانَ لِطُغْيَانِهِ طَرِيقٌ، بَل قَدْ سَلِّطَ عَلَيْهِ الأَْخْلاَطَ الْمُتَضَادَّةَ، وَالأَْمْرَاضَ الْهَائِلَةَ، بَيْنَمَا بُنْيَانُهُ قَدْ تَمَّ، إِذْ هُوَ قَدْ هَوَى وَتَهَدَّمَ، لاَ يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ
ضُرًّا وَلاَ نَفْعًا، بَيْنَمَا هُوَ يَذْكُرُ الشَّيْءَ فَيَنْسَاهُ، وَيَسْتَلِذُّ الشَّيْءَ فَيُرْدِيهِ، وَيَرُومُ الشَّيْءَ فَلاَ يَنَالُهُ، ثُمَّ لاَ يَأْمَنُ أَنْ يُسْلَبَ حَيَاتَهُ بَغْتَةً.
هَذَا أَوْسَطُ حَالِهِ، وَذَاكَ أَوَّل أَمْرِهِ، وَأَمَّا آخِرُ أَمْرِهِ: فَالْمَوْتُ الَّذِي يُعِيدُهُ جَمَادًا كَمَا كَانَ، ثُمَّ يُلْقَى فِي التُّرَابِ فَيَصِيرُ جِيفَةً مُنْتِنَةً، وَتَبْلَى أَعْضَاؤُهُ، وَتَنْخُرُ عِظَامُهُ، وَيَأْكُل الدُّودُ أَجْزَاءَهُ، وَيَعُودُ تُرَابًا يُعْمَل مِنْهُ الْكِيزَانُ، وَيُعْمَرُ مِنْهُ الْبُنْيَانُ، ثُمَّ بَعْدَ طُول الْبِلَى تُجْمَعُ أَجْزَاؤُهُ الْمُتَفَرِّقَةُ وَيُسَاقُ إِلَى الْحِسَابِ.
وَالثَّانِي: مَنِ اعْتَرَاهُ الْكِبْرُ مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّ هَذَا تَعَزُّزٌ بِكَمَال غَيْرِهِ، ثُمَّ يَعْلَمْ أَبَاهُ وَجَدَّهُ، فَإِنَّ أَبَاهُ الْقَرِيبَ نُطْفَةٌ قَذِرَةٌ، وَأَبَاهُ الْبَعِيدَ تُرَابٌ.
وَمَنِ اعْتَرَاهُ الْكِبْرُ بِالْجَمَال فَلْيَنْظُرْ إِلَى بَاطِنِهِ نَظَرَ الْعُقَلاَءِ، وَلاَ يَنْظُرْ إِلَى ظَاهِرِهِ نَظَرَ الْبَهَائِمِ.
وَمَنِ اعْتَرَاهُ مِنْ جِهَةِ الْقُوَّةِ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ آلَمَهُ عِرْقٌ عَادَ أَعْجَزَ مِنْ كُل عَاجِزٍ، وَإِنْ شَوْكَةٌ دَخَلَتْ فِي رِجْلِهِ لأََعْجَزَتْهُ، وَبَقَّةٌ لَوْ دَخَلَتْ فِي أُذُنِهِ لأََقْلَقَتْهُ.
وَمَنْ تَكَبَّرَ بِالْغِنَى، فَإِذَا تَأَمَّل خَلْقًا مِنْ الْيَهُودِ وَجَدَهُمْ أَغْنَى مِنْهُ، فَأُفٍّ لِشَرَفٍ تَسْبِقُهُ بِهِ الْيَهُودُ، وَيَسْتَلِبُهُ السَّارِقُ فِي لَحْظَةٍ، فَيَعُودُ صَاحِبُهُ ذَلِيلاً.
الصفحة 171