كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 34)

الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} (1) .
وَنَقَل ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي عَنِ الشَّيْخِ بَدْرِ الدِّينِ الزَّرْكَشِيِّ أَنَّهُ قَال: اغْتَرَّ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَرَأَى جَوَازَ مُطَالَعَةِ التَّوْرَاةِ؛ لأَِنَّ التَّحْرِيفَ فِي الْمَعْنَى فَقَطْ قَال الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ، وَلاَ خِلاَفَ أَنَّهُمْ حَرَّفُوا وَبَدَّلُوا، وَالاِشْتِغَال بِنَظَرِهَا وَكِتَابَتِهَا لاَ يَجُوزُ بِالإِْجْمَاعِ، وَقَدْ غَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَأَى مَعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَحِيفَةً فِيهَا شَيْءٌ مِنَ التَّوْرَاةِ (2) . . إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَلَوْلاَ أَنَّهُ مَعْصِيَةٌ مَا غَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَبَعْدَ أَنْ ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ رِوَايَاتٍ مُتَعَدِّدَةً لِلْحَدِيثِ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ قَال: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ كَرَاهِيَةَ ذَلِكَ لِلتَّنْزِيهِ لاَ لِلتَّحْرِيمِ، ثُمَّ قَال: وَالأَْوْلَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ مَنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ وَيَصِيرُ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الإِْيمَانِ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِخِلاَفِ الرَّاسِخِ فَيَجُوزُ لَهُ، وَلاَ سِيَّمَا عِنْدَ الاِحْتِيَاجِ إِلَى الرَّدِّ عَلَى الْمُخَالِفِ، وَيَدُل عَلَى ذَلِكَ نَقْل الأَْئِمَّةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا مِنَ التَّوْرَاةِ، وَإِلْزَامُهُمُ الْيَهُودَ بِالتَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يَسْتَخْرِجُونَهُ مِنْ كِتَابِهِمْ، وَلَوْلاَ اعْتِقَادُهُمْ جَوَازَ النَّظَرِ فِيهِ لَمَا فَعَلُوهُ وَتَوَارَدُوا عَلَيْهِ، وَغَضَبُ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
__________
(1) الآداب الشرعية 2 / 107، والآية من سورة العنكبوت / 51.
(2) حديث: " غضب النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى مع عمر صحيفة. . . ". تقدم في نفس الفقرة.
لاَ يَدُل عَلَى التَّحْرِيمِ، فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ يَغْضَبُ مِنْ فِعْل الْمَكْرُوهِ، وَمِنْ فِعْل مَا هُوَ خِلاَفُ الأَْوْلَى إِذَا صَدَرَ مِمَّنْ لاَ يَلِيقُ مِنْهُ ذَلِكَ، كَغَضَبِهِ مِنْ تَطْوِيل مُعَاذٍ صَلاَةَ الصُّبْحِ بِالْقِرَاءَةِ، وَقَدْ يَغْضَبُ مِمَّنْ يَقَعُ مِنْهُ تَقْصِيرٌ فِي فَهْمِ الأَْمْرِ الْوَاضِحِ مِثْل الَّذِي سَأَل عَنْ لُقَطَةِ الإِْبِل (1) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: وَلاَ يَجُوزُ النَّظَرُ فِي كُتُبِ أَهْل الْبِدَعِ، وَلاَ فِي الْكُتُبِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْحَقِّ وَالْبَاطِل، وَلاَ رِوَايَتُهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ ضَرَرِ إِفْسَادِ الْعَقَائِدِ (2) .
وَقَال الْقَلْيُوبِيُّ: تَحْرُمُ قِرَاءَةُ كُتُبِ الرَّقَائِقِ وَالْمَغَازِي الْمَوْضُوعَةِ كَفُتُوحِ الشَّامِ وَقَصَصِ الأَْنْبِيَاءِ وَحِكَايَاتِهِمُ الْمَنْسُوبَةِ لِلْوَاقِدِيِّ، وَقَال أَيْضًا: ذَكَرَ الإِْمَامُ الشَّعْرَاوِيُّ فِي الْمُغْنِي مَا نَصُّهُ: وَيُحَذَّرُ مِنْ مُطَالَعَةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِ إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ لِلْغَزَالِيِّ، وَمِنْ كِتَابِ قُوتِ الْقُلُوبِ لأَِبِي طَالِبٍ الْمَكِّيِّ، وَمِنْ تَفْسِيرِ مَكِّيٍّ، وَمِنْ كَلاَمِ ابْنِ مَيْسَرَةَ الْحَنْبَلِيِّ، وَمِنْ كَلاَمِ مُنْذَرِ بْنِ سَعِيدٍ الْبَلُّوطِيِّ، وَمِنْ مُطَالَعَةِ كُتُبِ أَبِي حَيَّانَ، أَوْ كُتُبِ إِخْوَانِ الصَّفَا، أَوْ كَلاَمِ إِبْرَاهِيمَ النَّجَّامِ، أَوْ كِتَابِ خَلْعِ النَّعْلَيْنِ لاِبْنِ قَسِيٍّ، أَوْ كُتُبِ مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ الظَّاهِرِيِّ
__________
(1) فتح الباري 13 / 525 - 526.
(2) كشف القناع 1 / 434.

الصفحة 185