كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 34)
لِلأَْوْلِيَاءِ، وَفِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ زَادَهْ عَلَى تَفْسِيرِ الْبَيْضَاوِيِّ: لأَِنَّ حُصُول الرِّزْقِ عِنْدَهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ لاَ شَكَّ أَنَّهُ أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ ظَهَرَ عَلَى يَدِ مَنْ لاَ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ، وَلَيْسَ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ، لأَِنَّ النَّبِيَّ الْمَوْجُودَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ هُوَ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لَهُ لَكَانَ عَالِمًا بِحَالِهِ، وَلَمْ يَشْتَبِهْ أَمْرُهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَقُل لِمَرْيَمَ: {أَنَّى لَكَ هَذَا} وَأَيْضًا قَوْله تَعَالَى بَعْدَ هَذِهِ الآْيَةِ: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَال رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} (1) ، مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ لَمَّا سَأَلَهَا عَنْ أَمْرِ تِلْكَ الأَْشْيَاءِ - قِيل: أَنَّهُ كَانَ يَجِدُ عِنْدَهَا فَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ، وَفَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ - لَمَّا سَأَلَهَا عَنْ تِلْكَ الأَْشْيَاءِ غَيْرِ الْعَادِيَّةِ، وَذَكَرَتْ لَهُ: أَنَّ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، هُنَالِكَ طَمِعَ فِي انْخِرَاقِ الْعَادَةِ بِحُصُول الْوَلَدِ مِنَ الْمَرْأَةِ الْعَاقِرِ الشَّيْخَةِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَائِسًا مِنَ الْوَلَدِ بِسَبَبِ شَيْخُوخَتِهِ وَشَيْخُوخَةِ زَوْجَتِهِ وَعُقْمِهَا، فَلَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ مَا رَآهُ فِي حَقِّ مَرْيَمَ مِنَ الْخَوَارِقِ وَأَنَّ ذَلِكَ الْعِلْمَ لَمْ يَحْصُل لَهُ إِلاَّ بِإِخْبَارِ مَرْيَمَ - لَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ كُلَّهُ لَمَا كَانَتْ رُؤْيَةُ تِلْكَ الْخَوَارِقِ فِي مَرْيَمَ سَبَبًا لِطَمَعِهِ بِوِلاَدَةِ الْعَاقِرِ، وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ - وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ: ثَبَتَ أَنَّ
__________
(1) سورة آل عمران / 38.
تِلْكَ الْخَوَارِقَ مَا كَانَتْ مُعْجِزَةً لِزَكَرِيَّا عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَلاَ لِنَبِيٍّ غَيْرِهِ، لِعَدَمِ وُجُودِهِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّهَا كَرَامَةٌ لِمَرْيَمَ فَثَبَتَ الْمَطْلُوبُ (1) .
كَمَا اسْتَدَلُّوا عَلَى وُقُوعِهَا بِقِصَّةِ أَهْل الْكَهْفِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ (2) ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا فِتْيَةً سَبْعَةً مِنْ أَشْرَافِ الرُّومِ خَافُوا عَلَى إِيمَانِهِمْ مِنْ مَلِكِهِمْ فَخَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ، وَدَخَلُوا غَارًا فَلَبِثُوا فِيهِ بِلاَ طَعَامٍ وَلاَ شَرَابٍ ثَلَثَمِائَةٍ وَتِسْعَ سِنِينَ بِلاَ آفَةٍ، وَلاَ شَكَّ أَنَّ هَذَا شَيْءٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ ظَهَرَ عَلَى يَدِ مَنْ لَمْ يَدَّعِ النُّبُوَّةَ، وَلاَ الرِّسَالَةَ.
وَكَذَلِكَ بِقِصَّةِ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ فِي زَمَنِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: فَقَدْ أَتَى بِعَرْشِ بِلْقِيسَ قَبْل أَنْ يَرْتَدَّ طَرْفُ سُلَيْمَانَ إِلَيْهِ مَعَ بُعْدِ الْمَسَافَةِ بَيْنَ الْيَمَنِ وَالشَّامِ فَرَأَى سُلَيْمَانُ الْعَرْشَ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ بِلَمْحَةِ طَرْفِ الْعَيْنِ، قَال تَعَالَى: {قَال الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْل أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَال هَذَا مِنْ فَضْل رَبِّي} (3) .
وَكَذَلِكَ بِمَا وَقَعَ لِلصَّحَابَةِ مِنْ كَرَامَاتٍ فِي
__________
(1) تفسير البيضاوي وحاشية الشيخ زادة في تفسير الآيات 37، 38، 33 من سورة آل عمران.
(2) سورة الكهف من الآية 9 - إلى الآية 22 من السورة.
(3) سورة النمل / 40.
الصفحة 219