كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 34)

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: قَدْ يُطْلَقُ الْمَكْرُوهُ عَلَى الْحَرَامِ، كَقَوْل الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ: وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْل صَلاَةِ الإِْمَامِ وَلاَ عُذْرَ لَهُ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَكْرُوهِ تَحْرِيمًا، وَهُوَ مَا كَانَ إِلَى الْحَرَامِ أَقْرَبَ وَيُسَمِّيهِ مُحَمَّدٌ حَرَامًا ظَنِّيًّا.
وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَكْرُوهِ تَنْزِيهًا وَهُوَ مَا كَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى مِنْ فِعْلِهِ، وَيُرَادَفُ خِلاَفَ الأَْوْلَى، وَفِي الْبَحْرِ مِنْ مَكْرُوهَاتِ الصَّلاَةِ فِي هَذَا الْبَابِ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا كُرِهَ تَحْرِيمًا، وَهُوَ الْمَحْمَل عِنْدَ إِطْلاَقِهِمُ الْكَرَاهَةَ، وَذَكَرَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: أَنَّهُ فِي رُتْبَةِ الْوَاجِبِ لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِمَا يَثْبُتُ بِهِ الْوَاجِبُ يَعْنِي بِالظَّنِّيِّ الثُّبُوتُ.
ثَانِيهِمَا: الْمَكْرُوهُ تَنْزِيهًا، وَمَرْجِعُهُ إِلَى مَا تَرْكُهُ أَوْلَى، وَكَثِيرًا مَا يُطْلِقُونَ " الْكَرَاهَةَ ". . . فَحِينَئِذٍ إِذَا ذَكَرُوا مَكْرُوهًا فَلاَ بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِي دَلِيلِهِ، فَإِنْ كَانَ نَهْيًا ظَنِّيًّا يُحْكَمُ بِكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ، إِلاَّ لِصَارِفٍ لِلنَّهْيِ عَنِ التَّحْرِيمِ إِلَى النَّدْبِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الدَّلِيل نَهْيًا، بَل كَانَ لِلتَّرْكِ غَيْرِ الْجَازِمِ فَهِيَ تَنْزِيهِيَّةٌ (1) .
قَال الزَّرْكَشِيُّ: وَيُطْلَقُ " الْمَكْرُوهُ " عَلَى أَرْبَعَةِ أُمُورٍ.
أَحَدُهَا: الْحَرَامُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {كُل
__________
(1) ابن عابدين 1 / 89.
ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} (1) أَيْ مُحَرَّمًا. وَوَقَعَ ذَلِكَ فِي عِبَارَةِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ، وَمِنْهُ قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي بَابِ الآْنِيَةِ: وَأَكْرَهُ آنِيَةَ الْعَاجِ، وَفِي بَابِ السَّلَمِ: وَأَكْرَهُ اشْتِرَاطَ الأَْعْجَفِ وَالْمَشْوِيِّ وَالْمَطْبُوخِ؛ لأَِنَّ الأَْعْجَفَ مَعِيبٌ، وَشَرْطُ الْمَعِيبِ مُفْسِدٌ، قَال الصَّيْدَلاَنِيُّ: وَهُوَ غَالِبٌ فِي عِبَارَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَرَاهَةَ أَنْ يَتَنَاوَلَهُمْ قَوْله تَعَالَى: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ} (2) فَكَرِهُوا إِطْلاَقَ لَفْظِ التَّحْرِيمِ.
الثَّانِي: مَا نُهِيَ عَنْهُ نَهْيَ تَنْزِيهٍ وَهُوَ الْمَقْصُودُ هُنَا.
الثَّالِثُ: تَرْكُ الأَْوْلَى، كَصَلاَةِ الضُّحَى لِكَثْرَةِ الْفَضْل فِي فِعْلِهَا، حَكَى الإِْمَامُ فِي النِّهَايَةِ: أَنَّ تَرْكَ غُسْل الْجُمُعَةِ مَكْرُوهٌ مَعَ أَنَّهُ لاَ نَهْيَ فِيهِ، قَال: وَهَذَا عِنْدِي جَارٍ فِي كُل مَسْنُونٍ صَحَّ الأَْمْرُ بِهِ مَقْصُودًا. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي الأُْمِّ عَلَى أَنَّ تَرْكَ غُسْل الإِْحْرَامِ مَكْرُوهٌ، وَفَرَّقَ مُعْظَمُ الْفُقَهَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي قَبْلَهُ: أَنَّ مَا وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ مَقْصُودٌ يُقَال فِيهِ: مَكْرُوهٌ، وَمَا لاَ، يُقَال فِيهِ خِلاَفُ الأَْوْلَى وَلاَ يُقَال: مَكْرُوهٌ (3) .
__________
(1) سورة الإسراء / 38.
(2) سورة النحل / 116.
(3) البحر المحيط 1 / 296، وحاشية ابن عابدين 1 / 48 وما بعدها، وانظر جواهر الإكليل 1 / 233.

الصفحة 222