كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 34)

وَإِنَّمَا يُبَاحُ السُّؤَال فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ الْمُهِمَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الضَّرُورَةِ (1) .
وَإِنْ كَانَ الْمُحْتَاجُ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلَى التَّكَسُّبِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَكْتَسِبَ، وَلاَ يَحِل لَهُ أَنْ يَسْأَل لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: مَنْ سَأَل وَهُوَ غَنِيٌّ عَنِ الْمَسْأَلَةِ يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهِيَ خُمُوشٌ فِي وَجْهِهِ (2) .
وَوَرَدَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ قَال: أَخْبَرَنِي رَجُلاَنِ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ يَقْسِمُ الصَّدَقَةَ، فَسَأَلاَهُ مِنْهَا، فَرَفَعَ فِينَا الْبَصَرَ وَخَفَضَهُ، فَرَآنَا جَلْدَيْنِ، فَقَال: إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلاَ حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلاَ لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ (3) مَعْنَاهُ لاَ حَقَّ لَهُمَا فِي السُّؤَال، وَقَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لاَ تَحِل الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلاَ لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ (4) يَعْنِي لاَ يَحِل السُّؤَال لِلْقَوِيِّ الْقَادِرِ عَلَى التَّكَسُّبِ، وَلَكِنَّهُ لَوْ سَأَل فَأُعْطِيَ حَل لَهُ أَنْ يَتَنَاوَل، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا فَلَوْ
__________
(1) مختصر منهاج القاصدين ص 322، وإحياء علوم الدين 4 / 211 - 212.
(2) حديث: " من سأل وهو غني عن المسألة. . . " أورده المنذري في الترغيب والترهيب (1 / 624) وقال: رواه الطبراني في الأوسط بإسناد لا بأس به.
(3) حديث: عبيد الله بن عدي بن الخيار: " أن رجلين أخبراه. . " أخرجه أبو داود (2 / 285) وصححه ابن عبد الهادي كما في نصب الراية (2 / 401) .
(4) حديث: " لا تحل الصدقة لغني. . . " أخرجه الترمذي (3 / 33) من حديث عبد الله بن عمرو، وقال: حديث حسن.
كَانَ لاَ يَحِل التَّنَاوُل لَمَا قَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمَا ذَلِكَ.
وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} (1) وَالْقَادِرُ عَلَى الْكَسْبِ فَقِيرٌ (2) هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَيَرَى أَكْثَرُ أَهْل الْعِلْمِ أَنَّ الزَّكَاةَ لاَ تَحِل لِغَنِيٍّ وَلاَ لِقَوِيٍّ يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ (3) .
قَال النَّوَوِيُّ: وَاتَّفَقُوا عَلَى النَّهْيِ عَنِ السُّؤَال بِلاَ ضَرُورَةٍ، وَفِي الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ حَرَامٌ، وَالثَّانِي يَحِل بِشَرْطِ أَنْ لاَ يُذِل نَفْسَهُ، وَلاَ يُلِحَّ فِي السُّؤَال، وَلاَ يُؤْذِيَ الْمَسْئُول، وَإِلاَّ حَرُمَ اتِّفَاقًا (4) .
وَإِذَا كَانَ الْمُحْتَاجُ عَاجِزًا عَنِ الْكَسْبِ، وَلَكِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ فَيَطُوفَ عَلَى الأَْبْوَابِ وَيَسْأَل، فَإِنَّهُ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَل ذَلِكَ حَتَّى هَلَكَ كَانَ آثِمًا عِنْدَ أَهْل الْفِقْهِ؛ لأَِنَّهُ أَلْقَى بِنَفْسِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَإِنَّ السُّؤَال يُوصِلُهُ إِلَى مَا يُقَوِّمُ بِهِ نَفْسَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالْكَسْبِ، وَلاَ ذُل فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَصَاحِبِهِ أَنَّهُمَا {أَتَيَا أَهْل قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا} .
وَقَال بَعْضُ الْمُتَقَشِّفَةِ: السُّؤَال مُبَاحٌ لَهُ
__________
(1) سورة التوبة / 60.
(2) الكسب ص 90 - 91.
(3) بريقة محمودية 3 / 266.
(4) المرجع نفسه.

الصفحة 240