كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 34)

بِطَرِيقِ الرُّخْصَةِ، فَإِنْ تَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ لَمْ يَكُنْ آثِمًا؛ لأَِنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بِالْعَزِيمَةِ (1) .
وَمَنِ اشْتَدَّ جُوعُهُ حَتَّى عَجَزَ عَنْ طَلَبِ الْقُوتِ، فَفَرْضٌ عَلَى كُل مَنْ عَلِمَ بِهِ أَنْ يُطْعِمَهُ، أَوْ يَدُل عَلَيْهِ مَنْ يُطْعِمُهُ؛ صَوْنًا لَهُ عَنِ الْهَلاَكِ، فَإِنِ امْتَنَعُوا عَنْ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ اشْتَرَكُوا فِي الإِْثْمِ، قَال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ (2) وَإِنْ أَطْعَمَهُ وَاحِدٌ سَقَطَ الإِْثْمُ عَنِ الْبَاقِينَ (3) .

نَفَقَةُ الْقَرِيبِ الْعَاجِزِ عَنِ الْكَسْبِ:
13 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلْفَقِيرِ الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ.
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ النَّفَقَةَ لاَ تَجِبُ لِلْفَقِيرِ إِلاَّ إِذَا كَانَ عَاجِزًا عَنِ الْكَسْبِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا.
وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الأَْبَوَيْنِ وَقَالُوا: تَجِبُ النَّفَقَةُ لَهُمَا إِذَا كَانَا فَقِيرَيْنِ وَإِنْ قَدَرَا عَلَى الْكَسْبِ؛ لأَِنَّهُمَا يَتَضَرَّرَانِ بِالْكَسْبِ، وَالْوَلَدُ مَأْمُورٌ بِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمَا.
__________
(1) الكسب ص 91.
(2) حديث: " ما آمن بي من بات شبعان. . . " أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (1 / 232) من حديث أنس بن مالك، وأورده الهيثمي في المجمع (8 / 168) وقال: رواه الطبراني والبزار، وإسناد البزار حسن.
(3) الاختيار 4 / 175.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ قَدَرَ الْقَرِيبُ الْفَقِيرُ عَلَى الْكَسْبِ فَأَقْوَالٌ، أَظْهَرُهَا كَمَا قَال النَّوَوِيُّ: تَجِبُ لأَِصْلٍ دُونَ فَرْعٍ (1) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (نَفَقَةٌ) .

إِجْبَارُ الْمُفَلِسِ عَلَى التَّكَسُّبِ:
14 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمُفَلِسِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَنْ يَكْتَسِبَ أَوْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ لِوَفَاءِ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ وَلَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} (2) ، أَمَرَ بِإِنْظَارِهِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِاكْتِسَابِهِ، وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلاً أُصِيبَ فِي عَهْدِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِغُرَمَائِهِ: خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلاَّ ذَلِكَ (3) .
وَلأَِنَّ هَذَا تَكَسُّبٌ لِلْمَال فَلَمْ يُجْبِرْهُ عَلَيْهِ كَقَبُول الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ، وَكَمَا لاَ تُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى
__________
(1) تبيين الحقائق 3 / 64، والدسوقي 2 / 522، ومغني المحتاج 3 / 448، وكشاف القناع 5 / 481.
(2) سورة البقرة / 280.
(3) حديث: أبي سعيد: " أن رجلاً أصيب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. . . " أخرجه مسلم (3 / 1191) .

الصفحة 241