كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 34)

التَّكَسُّبُ فِي الْمَسْجِدِ:
16 - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَابْنُ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ كَرَاهَةَ التَّكَسُّبِ بِعَمَل الصِّنَاعَاتِ مِثْل الْخِيَاطَةِ فِي الْمَسْجِدِ (1) ، وَلاَ يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا قَل، مِثْل رَقْعِ ثَوْبِهِ أَوْ خَصْفِ نَعْلِهِ (2) .
قَال الزَّرْكَشِيُّ نَقْلاً عَنِ النَّوَوِيِّ: فَأَمَّا مَنْ يَنْسَخُ فِيهِ شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ، أَوِ اتَّفَقَ قُعُودُهُ فِيهِ فَخَاطَ ثَوْبًا، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مَقْعَدًا لِلْخِيَاطَةِ، فَلاَ بَأْسَ بِهِ، وَقَال فِي الرَّوْضَةِ: يُكْرَهُ عَمَل الصَّنَائِعِ مِنْهُ أَيِ الْمُدَاوَمَةُ، أَمَّا مَنْ دَخَل لِصَلاَةٍ أَوِ اعْتِكَافٍ فَخَاطَ ثَوْبَهُ لَمْ يُكْرَهْ (3) .
وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنَ الْكَرَاهَةِ مَا إِذَا كَانَتِ الصِّنَاعَةُ لأَِجْل حِفْظِ الْمَسْجِدِ لاَ لِلتَّكَسُّبِ (4) فَقَدْ جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: الْخَيَّاطُ إِذَا كَانَ يَخِيطُ فِي الْمَسْجِدِ يُكْرَهُ، إِلاَّ إِذَا جَلَسَ لِدَفْعِ الصِّبْيَانِ وَصِيَانَةِ الْمَسْجِدِ، فَحِينَئِذٍ لاَ بَأْسَ بِهِ (5) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ تَكَسُّبٌ
__________
(1) الحموي على الأشباه والنظائر 2 / 632 ط. باكستان، والحطاب 6 / 13، وإعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي ص 325، وتحفة الراكع والساجد لتقي الدين الجراعي الحنبلي ص 209.
(2) إعلام الساجد ص325 - 326، وتحفة الراكع والساجد ص209.
(3) إعلام الساجد ص 325 - 326.
(4) الحموي على الأشباه 2 / 632.
(5) الفتاوى الهندية 1 / 110.
بِصَنْعَةٍ فِي الْمَسْجِدِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُبْنَ لِذَلِكَ غَيْرَ كِتَابَةٍ؛ لأَِنَّ الْكِتَابَةَ نَوْعٌ مِنْ تَحْصِيل الْعِلْمِ (1) .
وَقَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّمَا يُمْنَعُ فِي الْمَسَاجِدِ مِنْ عَمَل الصِّنَاعَاتِ مَا يَخْتَصُّ بِمَنْفَعَةِ آحَادِ النَّاسِ مِمَّا يُتَكَسَّبُ بِهِ، فَلاَ يُتَّخَذُ الْمَسْجِدُ مَتْجَرًا، فَأَمَّا إِنْ كَانَتْ لِمَا يَشْمَل الْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ مِثْل الْمُثَاقَفَةِ (وَهِيَ الْمُلاَعَبَةُ لإِِظْهَارِ الْمَهَارَةِ وَالْحِذْقِ) وَإِصْلاَحِ آلاَتِ الْجِهَادِ مِمَّا لاَ مِهْنَةَ فِي عَمَلِهِ لِلْمَسْجِدِ فَلاَ بَأْسَ بِهِ (2) .
وَأَمَّا التَّكَسُّبُ فِي الْمَسْجِدِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الأَْظْهَرِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ كَرَاهَتَهُ (3) ، فَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: لاَ أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ ضَالَّةً فَقُولُوا: لاَ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ (4) .
وَفِي جَامِعِ الذَّخِيرَةِ: جَوَّزَ مَالِكٌ أَنْ يُسَاوِمَ رَجُلاً ثَوْبًا عَلَيْهِ أَوْ سِلْعَةً تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُهَا، وَقَال الْجُزُولِيُّ: وَلاَ يَجُوزُ الْبَيْعُ فِي الْمَسْجِدِ وَلاَ الشِّرَاءُ، وَاخْتُلِفَ إِذَا رَأَى سِلْعَةً خَارِجَ
__________
(1) مطالب أولي النهى 1 / 175.
(2) الحطاب 6 / 13.
(3) مواهب الجليل 6 / 14، وإعلام الساجد ص 324 - 325، وتحفة الراكع والساجد ص 208.
(4) حديث: " إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد. . . " أخرجه الترمذي (3 / 601) وقال: حديث حسن غريب.

الصفحة 243