كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 34)

الْحِرْفَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي الْكَفَاءَةِ فِي النِّكَاحِ؛ لأَِنَّهُ يُمْكِنُ الاِنْتِقَال وَالتَّحَوُّل عَنِ الْخَسِيسَةِ إِلَى النَّفِيسَةِ مِنْهَا، فَلَيْسَتْ وَصْفًا لاَزِمًا.
وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، حَيْثُ قَال: إِنَّهَا غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ فَاحِشَةً. .
كَحِرْفَةِ الْحَجَّامِ وَالْكَنَّاسِ وَالدَّبَّاغِ، فَلاَ يَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمْ كُفْءَ بِنْتِ الْعَطَّارِ وَالصَّيْرَفِيِّ وَالْجَوْهَرِيِّ.
وَوَفْقَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ لاَ يَكُونُ الرَّجُل صَاحِبُ الصِّنَاعَةِ أَوِ الْحِرْفَةِ الدَّنِيئَةِ أَوِ الْخَسِيسَةِ كُفْءَ بِنْتِ صَاحِبِ الصِّنَاعَةِ أَوِ الْحِرْفَةِ الرَّفِيعَةِ أَوِ الشَّرِيفَةِ. . لِمَا سَبَقَ، وَلِمَا ذَكَرَهُ الْحَنَابِلَةُ مِنْ أَنَّهُ نَقْصٌ فِي عُرْفِ النَّاسِ أَشْبَهَ نَقْصَ النَّسَبِ، وَلِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ: الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ وَفِي آخِرِهِ " إِلاَّ حَائِكٌ أَوْ حَجَّامٌ (1) "، قِيل لأَِحْمَدَ: كَيْفَ تَأْخُذُ بِهِ وَأَنْتَ تُضَعِّفُهُ؟ قَال: الْعَمَل عَلَيْهِ، يَعْنِي أَنَّهُ مُوَافِقٌ لأَِهْل الْعُرْفِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: تَثْبُتُ الْكَفَاءَةُ بَيْنَ الْحِرْفَتَيْنِ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ، كَالْبَزَّازِ مَعَ الْبَزَّازِ، وَالْحَائِكِ مَعَ الْحَائِكِ، وَتَثْبُتُ عِنْدَ اخْتِلاَفِ جِنْسِ الْحِرْفَةِ إِذَا كَانَ يُقَارِبُ بَعْضُهَا بَعْضًا، كَالْبَزَّازِ مَعَ الصَّائِغِ، وَالصَّائِغِ مَعَ الْعَطَّارِ، وَلاَ تَثْبُتُ
__________
(1) حديث: " العرب بعضهم أكفاء لبعض. . . " تقدم تخريجه ف (8) .
فِيمَا لاَ مُقَارَبَةَ بَيْنَهُمَا، كَالْعَطَّارِ مَعَ الْبَيْطَارِ، وَالْبَزَّازِ مَعَ الْخَرَّازِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الاِعْتِبَارُ بِالْعُرْفِ الْعَامِّ لِبَلَدِ الزَّوْجَةِ لاَ لِبَلَدِ الْعَقْدِ؛ لأَِنَّ الْمَدَارَ عَلَى تَعْيِيرِهَا أَوْ عَدَمِهِ، وَذَلِكَ يُعْرَفُ بِالنِّسْبَةِ لِحِرَفِ بَلَدِهَا، أَيِ الَّتِي هِيَ بِهَا حَالَةَ الْعَقْدِ.
قَال الرَّمْلِيُّ: حِرْفَةُ الآْبَاءِ - كَحِرْفَةِ الزَّوْجِ - مُعْتَبَرَةٌ فِي الْكَفَاءَةِ، وَالأَْوْجَهُ أَنَّ كُل ذِي حِرْفَةٍ فِيهَا مُبَاشَرَةُ نَجَاسَةٍ لَيْسَ كُفْءَ الَّذِي حِرْفَتُهُ لاَ مُبَاشَرَةَ فِيهَا لِلنَّجَاسَةِ، وَأَنَّ بَقِيَّةَ الْحِرَفِ الَّتِي لَمْ يَذْكُرُوا فِيهَا تَفَاضُلاً مُتَسَاوِيَةٌ إِلاَّ إِنِ اطَّرَدَ الْعُرْفُ بِتَفَاوُتِهَا. . وَقَال: مَنْ لَهُ حِرْفَتَانِ: دَنِيَّةٌ وَرَفِيعَةٌ اعْتُبِرَ مَا اشْتُهِرَ بِهِ، وَإِلاَّ غَلَبَتِ الدَّنِيَّةُ، بَل لَوْ قِيل بِتَغْلِيبِهَا مُطْلَقًا لَمْ يَبْعُدْ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَخْلُو عَنْ تَعْيِيرِهِ بِهَا. (1)
وَأَضَافَ الْقَلْيُوبِيُّ: لَوْ تَرَكَ حِرْفَةً لأَِرْفَعَ مِنْهَا أَوْ عَكْسِهِ، اعْتُبِرَ قَطْعُ نِسْبَتِهِ عَنِ الأُْولَى، وَلَيْسَ تَعَاطِي الْحِرْفَةِ الدَّنِيئَةِ لِتَوَاضُعٍ أَوْ كَسْرِ نَفْسٍ أَوْ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ مُضِرًّا فِي الْكَفَاءَةِ وَالْعِلْمِ - بِشَرْطِ عَدَمِ الْفِسْقِ - وَكَذَلِكَ الْقَضَاءُ أَرْفَعُ الْحِرَفِ كُلِّهَا، فَيُكَافِئَانِ سَائِرَ الْحِرَفِ، فَلَوْ جَاءَتِ امْرَأَةٌ لاَ يُعْرَفُ نَسَبُهَا إِلَى قَاضٍ لِيُزَوِّجَهَا، لاَ يُزَوِّجُهَا إِلاَّ مِنَ ابْنِ عَالِمٍ
__________
(1) بدائع الصنائع 2 / 320، والاختيار 3 / 99، وفتح القدير 2 / 424، ونهاية المحتاج 6 / 353، ومغني المحتاج 3 / 166، والمغني 6 / 485، ومطالب أولي النهى 5 / 186.

الصفحة 277