كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 34)
مِنْ إِيفَائِهِ، وَبِالنَّفَقَةِ قِوَامُ الاِزْدِوَاجِ وَدَوَامُهُ، فَلاَ بُدَّ مِنَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمَا، وَلأَِنَّ مَنْ لاَ قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ يُسْتَحْقَرُ وَيُسْتَهَانُ بِهِ فِي الْعَادَةِ، كَمَنْ لَهُ نَسَبٌ دَنِيءٌ، فَتَخْتَل بِهِ الْمَصَالِحُ كَمَا تَخْتَل عِنْدَ دَنَاءَةِ النَّسَبِ. وَالْمُرَادُ بِالْمَهْرِ قَدْرُ مَا تَعَارَفُوا تَعْجِيلَهُ؛ لأَِنَّ مَا وَرَاءَهُ مُؤَجَّلٌ عُرْفًا، قَال الْبَابَرْتِيُّ: لَيْسَ بِمُطَالَبٍ بِهِ فَلاَ يُسْقِطُ الْكَفَاءَةَ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ اعْتَبَرَ الْقُدْرَةَ عَلَى النَّفَقَةِ دُونَ الْمَهْرِ؛ لأَِنَّهُ تَجْرِي الْمُسَاهَلَةُ فِي الْمَهْرِ وَيُعَدُّ الْمَرْءُ قَادِرًا عَلَيْهِ بِيَسَارِ أَبِيهِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّ تَسَاوِيَ الزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ فِي الْغِنَى شَرْطُ تَحَقُّقِ الْكَفَاءَةِ، حَتَّى إِنَّ الْفَائِقَةَ الْيَسَارِ لاَ يُكَافِئُهَا الْقَادِرُ عَلَى الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ؛ لأَِنَّ النَّاسَ يَتَفَاخَرُونَ بِالْغِنَى وَيَتَعَيَّرُونَ بِالْفَقْرِ.
وَقَال ابْنُ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ لاَ يَتَقَدَّرَ الْمَال بِمِقْدَارِ مِلْكِ النِّصَابِ أَوْ غَيْرِهِ، بَل إِنْ كَانَ حَال أَبِيهَا مِمَّنْ لاَ يُزْرِي عَلَيْهَا بِتَزْوِيجِهَا بِالزَّوْجِ، بِأَنْ يَكُونَ مُوَازِيًا أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ فِي الْمَال الَّذِي يَقْدِرُ بِهِ عَلَى نَفَقَةِ الْمُوسِرِينَ، بِحَيْثُ لاَ تَتَغَيَّرُ عَادَتُهَا عِنْدَ أَبِيهَا فِي بَيْتِهِ، فَذَلِكَ الْمُعْتَبَرُ.
وَالْقَائِلُونَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْيَسَارِ الْمُعْتَبَرِ فِي الْكَفَاءَةِ،
فَقِيل: يُعْتَبَرُ بِقَدْرِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ، فَيَكُونُ بِهِمَا كُفْئًا لِصَاحِبَةِ الأُْلُوفِ، وَالأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ يَكْفِي ذَلِكَ؛ لأَِنَّ النَّاسَ أَصْنَافٌ: غَنِيٌّ وَفَقِيرٌ وَمُتَوَسِّطٌ، وَكُل صِنْفٍ أَكْفَاءٌ وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْمَرَاتِبُ.
وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْيَسَارَ لاَ يُعْتَبَرُ فِي الْكَفَاءَةِ؛ لأَِنَّ الْمَال غَادٍ وَرَائِحٌ وَلاَ يَفْتَخِرُ بِهِ أَهْل الْمُرُوءَاتِ وَالْبَصَائِرِ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْيَسَارِ؛ لأَِنَّ الْفَقْرَ شَرَفٌ فِي الدِّينِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْيَسَارِ مَا يُقْدَرُ بِهِ عَلَى النَّفَقَةِ وَالْمَهْرِ (1) .
و السَّلاَمَةُ مِنَ الْعُيُوبِ:
12 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، إِلَى أَنَّ السَّلاَمَةَ مِنَ الْعُيُوبِ الْمُثْبِتَةِ لِخِيَارِ فَسْخِ النِّكَاحِ مِنْ خِصَال الْكَفَاءَةِ فِي النِّكَاحِ.
وَقَال ابْنُ رَاشِدٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: الْمُرَادُ أَنْ يُسَاوِيَهَا فِي الصِّحَّةِ، أَيْ يَكُونَ سَالِمًا مِنَ الْعُيُوبِ الْفَاحِشَةِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ كَلاَمِ ابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ شَاسٍ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الأَْصْحَابِ (2) .
وَفَصَّل الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا: مِنَ الْخِصَال
__________
(1) بدائع الصنائع 2 / 319 - 320، والهداية وشروحها فتح القدير، والعناية 2 / 423، وحاشية القليوبي 3 / 236، وروضة الطالبين 7 / 82، ومطالب أولي النهى 5 / 86، والمغني 6 / 484.
(2) مواهب الجليل 3 / 460، والشرح الكبير 2 / 249.
الصفحة 279