كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 36)
الْبُقْعَةِ، لأَِنَّ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ عِلَّتُهَا ضَعْفُ الْخَلْقِ وَقُصُورُهُمْ عَنِ الْقِيَامِ بِحَقِّ الْمَوْضِعِ، قَال فِي الْفَتْحِ: وَعَلَى هَذَا فَيَجِبُ كَوْنُ الْجِوَارِ فِي الْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ كَذَلِكَ يَعْنِي مَكْرُوهًا عِنْدَهُ، فَإِنَّ تَضَاعُفَ السَّيِّئَاتِ - أَوْ تَعَاظُمَهَا إِنْ فُقِدَ فِيهَا - فَمَخَافَةُ السَّآمَةِ وَقِلَّةِ الأَْدَبِ الْمُفْضِي إِلَى الإِْخْلاَل بِوُجُوبِ التَّوْقِيرِ وَالإِْجْلاَل قَائِمٌ، قَال بَعْضُهُمْ: وَهُوَ وَجِيهٌ فَيَنْبَغِي أَنْ لاَ يُقَيَّدَ بِالْوُثُوقِ اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ مِنْ حَال النَّاسِ لاَ سِيَّمَا أَهْل هَذَا الزَّمَانِ.
وَقَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ تُكْرَهُ الْمُجَاوَرَةُ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ وَكَذَا بِمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ لِمَنْ يَثِقُ بِنَفْسِهِ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَاخْتَارَ فِي اللُّبَابِ: أَنَّ الْمُجَاوَرَةَ بِالْمَدِينَةِ أَفْضَل مِنْهَا بِمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: عَدَمُ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ أَفْضَل.
قَال مَالِكٌ: الْقَفْل أَيِ الرُّجُوعُ أَفْضَل مِنَ الْجِوَارِ (1) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إِلَى اسْتِحْبَابِ الْمُجَاوَرَةِ بِالْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ إِلاَّ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الْوُقُوعُ فِي الْمَحْظُورَاتِ، أَوْ أَنْ تَسْقُطَ حُرْمَتُهُمَا عِنْدَهُ، لِمَا وَرَدَ مِنْ مُضَاعَفَةِ الْعَمَل الصَّالِحِ فِيهِمَا كَحَدِيثِ: صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا
__________
(1) الخرشي 3 / 107، وحاشية العدوي 2 / 33.
أَفْضَل مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلاَةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَل مِنْ مِائَةِ صَلاَةٍ فِي هَذَا (1) وَقَال اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ أَوَّل بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةِ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} قَال الْقُرْطُبِيُّ: جَعَلَهُ مُبَارَكًا لِتَضَاعُفِ الْعَمَل فِيهِ (2) .
قَال أَحْمَدُ: كَيْفَ لَنَا بِالْجِوَارِ بِمَكَّةَ؟ قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلاَ أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ (3) .
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَإِنَّمَا كُرِهَ الْجِوَارُ بِمَكَّةَ لِمَنْ هَاجَرَ مِنْهَا، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا جَاوَرَ بِمَكَّةَ وَجَمِيعُ أَهْل الْبِلاَدِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْيَمَنِ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَخْرُجُ وَيُهَاجِرُ أَيْ لاَ بَأْسَ بِهِ وَابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَ يُقِيمُ بِمَكَّةَ قَال: وَالْمُقَامُ بِالْمَدِينَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْمُقَامِ بِمَكَّةَ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ، لأَِنَّهَا مُهَاجَرُ
__________
(1) حديث: " صلاة في مسجدي هذا. . . ". أخرجه أحمد (4 / 5) من حديث عبد الله بن الزبير، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (4 / 5) : رجاله رجال الصحيح.
(2) عابدين 2 / 187، 256 وما بعدها، ومجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر 1 / 312، والقليوبي وعميرة 2 / 126، والمغني لابن قدامة 3 / 556، وكشاف القناع 2 / 516، وتفسير القرطبي 4 / 139.
(3) حديث: " والله إنك لخير أرض الله. . . ". أخرجه الترمذي (5 / 722) من حديث عبد الله بن عدي، وقال: حديث حسن غريب صحيح.
الصفحة 126