كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 36)
ب - تَجَنُّبُ إِقَامَةِ شَخْصٍ مِنْ مَجْلِسِهِ:
7 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي تَخْصِيصُ مَكَانٍ لِنَفْسِهِ فِي الْمَسْجِدِ لأَِنَّهُ يُخِل بِالْخُشُوعِ أَيْ لأَِنَّهُ إِذَا اعْتَادَهُ ثُمَّ صَلَّى فِي غَيْرِهِ يَبْقَى بَالُهُ مَشْغُولاً بِالأَْوَّل بِخِلاَفِ مَا إِذَا لَمْ يَأْلَفْ مَكَانًا مُعَيَّنًا.
وَقَالُوا: لَيْسَ لِمَنْ لَهُ فِي الْمَسْجِدِ مَوْضِعٌ مُعَيَّنٌ يُوَاظِبُ عَلَيْهِ - وَلَوْ مُدَرِّسًا - وَقَدْ شَغَلَهُ غَيْرُهُ إِزْعَاجُ هَذَا الْغَيْرِ مِنْهُ لأَِنَّ الْمَسْجِدَ لَيْسَ مِلْكًا لأَِحَدٍ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إِذَا لَمْ يَقُمْ عَنْهُ عَلَى نِيَّةِ الْعَوْدِ بِلاَ مُهْلَةٍ كَمَا لَوْ قَامَ لِلْوُضُوءِ مَثَلاً وَلاَ سِيَّمَا إِذَا وَضَعَ فِيهِ ثَوْبَهُ لِتَحَقُّقِ سَبْقِ يَدِهِ.
وَقَال الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ: مَثَل الْمَسْجِدِ مَقَاعِدُ الأَْسْوَاقِ الَّتِي يَتَّخِذُهَا الْمُحْتَرِفُونَ: مَنْ سَبَقَ لَهَا فَهُوَ الأَْحَقُّ بِهَا وَلَيْسَ لِمُتَّخِذِهَا أَنْ يُزْعِجَهُ إِذْ لاَ حَقَّ لَهُ فِيهَا مَا دَامَ فِيهَا فَإِذَا قَامَ عَنْهَا اسْتَوَى هُوَ وَغَيْرُهُ فِيهَا مُطْلَقًا قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَالْمُرَادُ بِهَا (بِالْمَقَاعِدِ) الَّتِي لاَ تَضُرُّ الْعَامَّةَ وَإِلاَّ أُزْعِجَ فِيهَا مُطْلَقًا.
وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ إِذَا ضَاقَ الْمَسْجِدُ فَلِلْمُصَلِّي إِزْعَاجُ الْقَاعِدِ وَلَوْ مُشْتَغِلاً بِقِرَاءَةٍ أَوْ دَرْسٍ وَكَذَا إِذَا لَمْ يَضِقْ لَكِنْ فِي قُعُودِ الْقَاعِدِ قَطْعٌ لِلصَّفِّ.
وَفِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ لِلسَّرَخْسِيِّ: وَكَذَا كُل مَا يَكُونُ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ سَوَاءً كَالنُّزُول فِي الرِّبَاطَاتِ وَالْجُلُوسِ فِي الْمَسَاجِدِ لِلصَّلاَةِ وَالنُّزُول بِمِنًى أَوْ عَرَفَاتٍ لِلْحَجِّ حَتَّى لَوْ ضَرَبَ فُسْطَاطَهُ فِي مَكَانٍ كَانَ يَنْزِل فِيهِ غَيْرُهُ فَهُوَ أَحَقُّ وَلَيْسَ لِلآْخَرِ أَنْ يُحَوِّلَهُ فَإِنْ أَخَذَ مَوْضِعًا فَوْقَ مَا يَحْتَاجُهُ فَلِلْغَيْرِ أَخْذُ الزَّائِدِ مِنْهُ (1) .
وَسُئِل مَالِكٌ عَنِ الرَّجُل يَقُومُ مِنَ الْمَجْلِسِ فَقِيل لَهُ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَزْعُمُ أَنَّهُ إِذَا قَامَ الرَّجُل مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ أَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ فَقَال: سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا وَإِنَّهُ لَحَسَنٌ إِنْ كَانَ إِتْيَانُهُ قَرِيبًا وَإِنْ تَبَاعَدَ ذَلِكَ حَتَّى يَذْهَبَ بَعِيدًا وَنَحْوَ ذَلِكَ فَلاَ أَرَى ذَلِكَ لَهُ وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ مَحَاسِنِ الأَْخْلاَقِ قَال مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ مَعْنَاهُ: إِذَا قَامَ عَنْهُ عَلَى أَنْ لاَ يَرْجِعَ إِلَيْهِ وَأَمَّا إِنْ قَامَ عَنْهُ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ إِنْ رَجَعَ بِالْقُرْبِ فَتَحْصِيل هَذَا أَنَّهُ إِنْ قَامَ عَنْهُ عَلَى أَنْ لاَ يَرْجِعَ إِلَيْهِ فَرَجَعَ بِالْقُرْبِ حَسَنٌ أَنْ يَقُومَ لَهُ عَنْهُ مَنْ جَلَسَ بَعْدَهُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ بِالْقُرْبِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي الاِسْتِحْسَانِ وَإِنْ قَامَ عَنْهُ عَلَى أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِ فَعَادَ إِلَيْهِ بِالْقُرْبِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ وَوَجَبَ عَلَى مَنْ جَلَسَ فِيهِ بَعْدَهُ أَنْ يَقُومَ لَهُ
__________
(1) الدر المختار ورد المحتار 1 / 445.
الصفحة 136