كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 36)
عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ بِالْقُرْبِ حَسُنَ أَنْ يَقُومَ لَهُ عَنْهُ مَنْ جَلَسَ فِيهِ بَعْدَهُ وَلَمْ يَجِبْ ذَلِكَ عَلَيْهِ (1) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَحْرُمُ أَنْ يُقِيمَ أَحَدًا وَلَوْ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ لِيَجْلِسَ مَكَانَهُ لِخَبَرِ: نَهَى أَنْ يُقَامَ الرَّجُل مِنْ مَجْلِسِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ آخَرُ وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا (2) .
فَإِنْ قَامَ الْجَالِسُ بِاخْتِيَارِهِ وَأَجْلَسَ غَيْرَهُ فَلاَ كَرَاهَةَ فِي جُلُوسِ غَيْرِهِ وَأَمَّا هُوَ فَإِنِ انْتَقَل إِلَى مَكَانٍ أَقْرَبَ إِلَى الإِْمَامِ أَوْ مِثْلِهِ لَمْ يُكْرَهْ وَإِلاَّ كُرِهَ إِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، كَإِيثَارٍ، نَحْوُ عَالِمٍ وَقَارِئٍ؛ لأَِنَّ الإِْيثَارَ بِالْقُرْبِ مَكْرُوهٌ.
وَقَال النَّوَوِيُّ: اسْتَثْنَى أَصْحَابُنَا مَنْ أَلِفَ مِنَ الْمَسْجِدِ مَوْضِعًا يُفْتِي فِيهِ أَوْ يُقْرِئُ فِيهِ قُرْآنًا أَوْ عِلْمًا فَلَهُ أَنْ يُقِيمَ مَنْ سَبَقَهُ إِلَى الْقُعُودِ فِيهِ، وَفِي مَعْنَاهُ - كَمَا قَال ابْنُ حَجَرٍ - مَنْ سَبَقَ إِلَى مَوْضِعٍ مِنَ الشَّوَارِعِ وَمَقَاعِدِ الأَْسْوَاقِ لِمُعَامَلَةٍ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَبْعَثَ مَنْ يَقْعُدُ لَهُ فِي مَكَانٍ لِيَقُومَ عَنْهُ إِذَا جَاءَ هُوَ.
وَإِذَا فُرِشَ لأَِحَدٍ ثَوْبٌ أَوْ نَحْوُهُ فَلِغَيْرِهِ تَنْحِيَتُهُ وَالصَّلاَةُ مَكَانَهُ لاَ الْجُلُوسُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ
__________
(1) البيان والتحصيل 7 / 231 - 232.
(2) حديث: " نهى أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر. . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 11 / 62) ، ومسلم (4 / 1714) .
رِضَا صَاحِبِهِ، وَلاَ يَرْفَعُهُ بِيَدِهِ أَوْ غَيْرِهَا لِئَلاَّ يَدْخُل فِي ضَمَانِهِ.
وَمَنْ جَلَسَ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ لِصَلاَةٍ مَثَلاً ثُمَّ فَارَقَهُ لِيَعُودَ إِلَيْهِ - بَعْدَ وُضُوءٍ مَثَلاً أَوْ شُغْلٍ يَسِيرٍ - لاَ يَبْطُل اخْتِصَاصُهُ بِهِ وَلَهُ أَنْ يُقِيمَ مَنْ قَعَدَ فِيهِ وَعَلَى الْقَاعِدِ أَنْ يُطِيعَهُ وُجُوبًا عَلَى الأَْصَحِّ وَقِيل: يُسْتَحَبُّ (1) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَحْرُمُ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ فَيَجْلِسَ مَكَانَهُ وَلَوْ عَبْدَهُ الْكَبِيرَ أَوْ وَلَدَهُ الْكَبِيرَ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ وَإِنَّمَا هُوَ حَقٌّ دِينِيٌّ فَاسْتَوَى فِيهِ السَّيِّدُ وَعَبْدُهُ وَالْوَالِدُ وَوَلَدُهُ، أَوْ كَانَتْ عَادَتُهُ الصَّلاَةَ فِيهِ، حَتَّى الْمُعَلِّمُ وَنَحْوُهُ كَالْمُفْتِي وَالْمُحَدِّثِ، وَمَنْ يَجْلِسُ لِلْمُذَاكَرَةِ فِي الْفِقْهِ إِذَا جَلَسَ إِنْسَانٌ مَوْضِعَ حَلْقَتِهِ حَرُمَ عَلَيْهِ إِقَامَتُهُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَهَى أَنْ يُقَامَ الرَّجُل مِنْ مَجْلِسِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ آخَرُ وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا وَلَكِنْ يَقُول: افْسَحُوا؛ وَلأَِنَّ الْمَسْجِدَ بَيْتُ اللَّهِ وَالنَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ إِلاَّ الصَّغِيرُ فَيُؤَخَّرُ.
وَقَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ: تَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ صَلاَةِ مَنْ أَخَّرَ مُكَلَّفًا وَجَلَسَ مَكَانَهُ؛ لِشَبَهِهِ الْغَاصِبَ إِلاَّ مَنْ جَلَسَ بِمَوْضِعٍ يَحْفَظُهُ لِغَيْرِهِ بِإِذْنِهِ أَوْ دُونَهُ لأَِنَّ النَّائِبَ يَقُومُ بِاخْتِيَارِهِ وَلأَِنَّهُ
__________
(1) أسنى المطالب 1 / 268، والقليوبي 1 / 287، وفتح الباري 11 / 64.
الصفحة 137